Menu

حصان طروادة "الندائي" و معركة أخونة الدولة


 

سكوب أنفو – شهرزاد عكاشة

غُيّبت ، منذ تولى يوسف الشاهد رئاسة الحكومة، جل القضايا المحورية التي شغلت الرأي العام التونسي منذ 2012 ، فلم يعد هناك أثر في النقاش السياسي للمطالبة بكشف حقيقة الاغتيالات السياسية و قُبر  ملف الشهيدين شكري بلعيد و محمد البراهمي ، و اندثرت الأصوات الداعية إلى مراجعة التعيينات الاخوانية النهضوية التي أسرت مؤسسات الدولة و جعلتها رهينة في يد حركة النهضة... لنرى و نسمع حربا كلامية محورها شخص رئيس الحكومة وحافظ قائد السبسي نجل رئيس الجمهورية في تغييب تامّ للحديث عن تغوّل حركة النهضة المتعاظم يوما بعد يوم.

بعد 2014 و إلى حدود تخلي رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد عن مهامه لا يزال جدل تغلغل النهضة في مؤسسات الدولة قائما رغم اجتماع باريس الذي لوّح حينها بأفق التوافق المظلم ، غير أن محاور الاهتمام تغيرت شيئا فشيئا بعد أن نجحت حركة النهضة في تهرئة شريكها في الحكم نداء تونس و هاهي اليوم لا تزال تواصل العمل على محوه تماما من المشهد السياسي.

أما المعارضة، فلم تعد تلك المحاور الأساسية تعنيها و انطلقت في القيام بدور المتقبل للأحداث ، لتقتصر مهمتها على بعض المداخلات في البرلمان و إصدار بعض البيانات هلامية المضامين و المصطلحات.

و مع تفجر الأزمة داخل آخر شقوق النداء و "عصيان الابن الضال لأبيه" في محاولة لاستكمال المشروع الاخواني استرضاءْ لحركة النهضة و تنفيذ أجندتها حفاظا على المنصب، ما فتئت مؤسسات الدولة التونسية الحديثة تتفكك و مؤشرات الاقتصاد تنهار و القدرة الشرائية تتدهور، لنتذكر في هذا السياق وصية القيادي الاخواني السوداني حسن الترابي الشهيرة  لراشد الغنوشي بوجوب تفكيك الدولة العلمانية حتى يتسنى تأسيس الدولة الإسلامية المنشودة، حتى أن "الزعيم الاخواني" التونسي راشد الغنوشي قد قال في تصريح لصحيفة "لاناسيون" الأرجنتينية في شهر مارس الماضي أنه "لم يسبق لتونس أن كانت دولة علمانية منذ تأسيسها" في وفاء تامّ منه للمنهج الأصولي الذي يتبناه حزبه كأحد أبرز  أدبياته و في تنكر واضح منه لشهداء الاستقلال و رجالات تونس و بناتها و على رأسهم الزعيم الحبيب بورقيبة.

المتابعون للشأن العام اليوم يفصلون بين الاجندا الاخوانية في تدمير الدولة و بين ما تقوم به حكومة الشاهد التي تتمسك بها النهضة بتعلة دعم الاستقرار الواهية ، فالحكومة الحالية  شهدت ما لا يقلّ عن 8 إقالات (7 وزراء و كاتب دولة) في غضون سنتين ، و 25 تغييرا (وزراء و وزراء معتمدين لدى رئيس الحكومة و كتاب دولة) في نفس الفترة...  وهنا  لا يمكن الفصل بين المسألتين إذا رجعنا الى الرائد الرسمي للجمهورية التونسية و ما صدر فيه من ترقيات و تسميات لمحسوبين على حركة النهضة و لعل أكثر من 50 تسمية و ترقية في وزارة الصحة خير دليل على ذلك.

أعداد الأطفال الملتحقين بالمدارس القرآنية و الكتاتيب  لم تعد تفزع النشطاء و المجتمع المدني و الأحزاب الديمقراطية ، فمرّ انضمام 49 ألف طفل للكتاتيب و المدارس القرآنية في مفتتح السنة الدراسية  الحالية مرور الكرام، و لم تعد التعيينات المحسوبة على الاخوان في وزارة الداخلية تجزع أحدا خاصة و أننا على أبواب تسميات جديدة في ذات المؤسسة و في مناصب جد حساسة، تقول تسريبات أنها ستكون لمقربين من حركة النهضة التي لم تتراجع يوما عن مشروعها في التغلغل في مؤسسات الدولة لتفكيكها في وقت تواجه فيه تونس تصنيفات دولية خطيرة على قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد أن تم تصنيفها الشتاء الماضي على اللائحة الأوروبية للملاذات الضريبية.

لحركة النهضة أن تهنأ لحدود اليوم و تواصل تنفيذ أجندتها في ظل حالة الاستقالة الجماعية و السبات السياسي  المتعمد، إذ تحولت لجنة التحقيق البرلمانية في شبكات التسفير لأثر بعد عين وغاب الحديث عن النجاحات الأمنية في مقاومة الإرهاب و التنظيمات التكفيرية بعد إقالة لطفي براهم اثر سيناريو سخيف عن انقلاب مزعوم .. و لا أثر لمحاسبة حزب من قال زعيمه أن السلفيين الجهاديين (النواة الأولى للتنظيمات الإرهابية في تونس) أبناؤنا و  يبشرون بثقافة جديدة و هدّد علنا بسحل التونسيين .... و لا أثر أيضا لمراجعة التعيينات النهضوية التي خرج الالاف من التونسيين للمطالبة بإلغائها ذات صيف من عام 2013 في اعتصام الرحيل الذي أسقط حكم الحزب الاخواني و شركاءه حينئذ.

لقد نجحت النهضة نجاحا باهرا في تغيير محور المعركة و جعلتها تتلخص في شخصي رئيس الحكومة و نجل الرئيس، لتحدث انقساما جديدا في المشهد السياسي المنقسم بطبعه، فجعلتنا نشهد حاليا كل أنواع المهازل و الصبيانيات و تبادل الاتهامات و الشتائم  التي غيرت وجهة الرأي العام  وقامت بتحييدها عن سياسة التجويع التي تنتهجها حكومة النهضة 3 و تخريب الاقتصاد و الأمن، فصار التونسيون غير عابئين بإغراق مفاصل الدّولة بالتعيينات المبنية على الولاءات و التي ستمثّل في قادم المعارك احتياطيا جديدا للحركة الاخوانية، و تمكنها من مزيد السيطرة على مفاصل المؤسستين القضائية و الأمنية في ظل تهديدات أمنية  جدية  حذرت منها دول شقيقة و صديقة..

 لقد نجح الحزب الاخواني في تحويل الاهتمام نحو تبادل التهديدات و الشتائم بين حركة نداء تونس و رئيس الحكومة المتباهي كطاووس بإنجازات لم تتحقق الا في مخيلته و مخيلة  طاقمه الحكومي المشلول و ايهامه بالدعم المطلق، ناسيا أنه سيأتي اليوم الذي تتعذر فيه الأوراق بالخريف للتخلي عن الشجرة و نسي الشاهد أن المؤقت السابق منصف المرزوقي اعتقد أيضا أنه جواد النهضة الرابح ، و اقتيد في نهاية الامر الى المسلخ السياسي النهضوي بكل برودة دم.

المسرحية سيئة الإخراج التي نعيشها اليوم لا بد لها أن تنتهي، و لن يحدث ذلك بالتهديد البدائي من حزب نداء تونس بطرد يوسف الشاهد الذي ما فتئ ظاهريا يسجل نقاطا في مرمى حزبه  و لا بتعهده بعدم الترشح للرئاسيات أو حتى التشريعيات المقبلة ، بل  لن تنتهي  المسرحية الا بالالتقاء على مصلحة الوطن و بتعهد حركة النهضة، إن وفت، بحسم الموقف بين الولاء للوطن و بين الولاء للتنظيم العالمي للاخوان المسلمين و هو أمر صعب الحدوث بالرجوع  للمثال المصري.

 على حركة النهضة الاقتناع كبقية مكونات المشهد السياسي التونسي  أنها و على الصعيد الدولي ليست في موضع القادر على املاء الشروط و الايهام بالقوة و بالتهديد بالرجوع الى مربع العنف، و على رئيس الجمهورية أن يتحمل مسؤوليته كاملة في تأسيس استقرار سياسي حقيقي في البلاد لا ذلك الاستقرار الكاذب التي تتشدق النهضة بدعمه .. و على حركة نداء تونس أيضا التخلص من عناصرها الانتهازية الملتحقة بها مؤخرا و التي غيرت وجه النداء الذي عرفه التونسيون ذات 2012 و 2013 و صوّتوا له في انتخابات 2014 .. إذ ليس هؤلاء من خاضوا المعارك أيام جمر التكفير و التهديد بالقتل و السحل .. و على الأحزاب مدعية "التقدمية و المدنية" الاقتناع ان معركة التصدي لأخونة الدولة لا تزال متواصلة.... و أن استمرار الوضع على ماهو عليه يعني الرجوع لسنوات العنف الإسلامي و تغيير وجه تونس الحداثي

{if $pageType eq 1}{literal}