Menu

المجلس الوطني للجهات والأقاليم.. اختصاص تشريعي ضيق وآمال منشودة لتحقيق التنمية


 

أحمد كحلاني - مراسلون

منذ أن طرح رئيس الجمهورية قيس سعيد مشروع الدستور الجديد يوم 30 جوان 2022، حظيت عديد النقاط والهياكل الواردة فيه باهتمام بالغ، نظر لحداثة وغموض بعضها وضبابية تركيبة بعضها الآخر.

من بين المسائل التي حظيت باهتمام واسع هو الهيكل التشريعي التنموي الجديد المتمثل في المجلس الوطني للجهات والأقاليم الذي حامت حوله عديد التساؤلات ونقاط الاستفهام والتي مازالت غامضة حد اليوم، حتى بعد عرض الدستور الجديد على الاستفتاء يوم 25 جويلية 2022 وحصوله على موافقة 94.6% من الناخبين الذين صوتوا بـنعم (2.607.884 ناخب) مقابل  5.4% صوتوا بـلا (148.723 ناخب). 

 m.facebook.com/story.php

إلى اليوم لا يعرف شيء عن هذا الهيكل المستحدث، سوى قلة من الفصول الواردة في الباب الخاص به ضمن الدستور الجديد، والتي وردت في مجملها عامة تحدثت عن المجلس بسطحية دون تفاصيل دقيقة عن ماهيته ومهامه وميكانيزم اشتغاله.

 

فما هو المجلس الوطني للجهات والأقاليم كما عرفه دستور 25 جويلية 2022.

www.youtube.com/watch

الغاية من إنشاء هذا المجلس

يعد الهدف من تأسيس مجلس تشريعي ثانٍ تحت مسمى المجلس الوطني للأقاليم والجهات ضمن الدستور الثالث للجمهورية التونسية تنموي بالأساس.

ففي ظل اختلال التوازن الحاد بين الجهات والأقاليم في تونس على مستويات عدة اقتصادية واجتماعية وثقافية، يأتي هذا المجلس -بحسب ما هو معلن- للمساهمة في تنمية الجهات المحرومة والمنسية خلال العقود الماضية والعمل على تحقيق نوع من التوازن بينها.

كما يهدف أيضا إلى الرفع من حظوظ الجهات في التنمية من خلال التخصص في خدمة الجهات والأقاليم بما يتماشى مع طبيعتها وما تتميز به من إمكانيات وثروات باطنية ومائية وفلاحية وصناعية وغيرها.

المجلس ستوكل له أيضا مهمة التسرع في إجراء دراسات لحاجيات هذه المناطق ورفعها للسلطات العليا والنظر فيها واتخاذ قرارات مناسبة في شأنها بما يزيد من نسبة التنمية فيها، ويحسن من واقعها الاقتصادي والاجتماعي ويساهم في التقليص من نسب البطالة والفقر وتوفير مواطن شغل وتحسين البنية التحتية.

لكن حول هذا المجلس تطرح أسئلة كثيرة أهمها آلية اشتغاله، خاصة في ظل احتدام النقاش حوله وحول مدى انسجامه مع بقية هياكل ومؤسسات الدولة على مستوى محلي وجهوي ووطني.

فما الذي يقصده الدستور بالإقليم وكيف يقسم؟

24 ولاية و06 أقاليم

يقسم تراب الجمهورية التونسية حسب المصنف الوطني للوحدات الإدارية والذي يحتوي على جرد كامل وشامل للوحدات الإدارية بالبلاد بمختلف أصنافها ورموزها الرقمية، وذلك حسب الأمر المؤرخ في 21 جوان 1956 والقانون عدد 71 المؤرخ في 27 مارس 1969 الإطار الأساسي للتقسيم الإداري لتراب الجمهورية،  يقسم تراب الجمهورية التونسية إلى ولايات، وتقسم كل ولاية إلى معتمديات، وتقسم بدورها كل معتمدية إلى مناطق (عمادات).

خلال بحثنا في هذا الموضوع عن تعريف الأقاليم أو حدودها الترابية أو مما تكون من ولايات، لم نجد أي مرجع قانوني أشار أو تحدث صراحة عن هذا المصطلح، باستثناء مجلة الجماعات المحلية والتي تعرف الإقليم كما تم ذكره سلفا.

وحسب المصنف الوطني لترميز الوحدات الإدارية الصادر سنة 2012 والمنشور بالموقع الرسمي لمعهد الإحصاء، ينقسم تراب الجمهورية التونسية إلى 24 ولاية و264 بلدية و141 دائرة و2083 منطقة.

أما بالنسبة للأقاليم يقسم تراب الجمهورية التونسية إلى ستة أقاليم، وهي إقليم الشمال الشرقي وإقليم الشمال الغربي وإقليم الوسط الشرقي وإقليم الوسط الغربي وإقليم الجنوب الشرقي وإقليم الجنوب الغربي.

 

 

المصدر: المصنف الوطني لترميز الوحدات الإدارية، الصفحة 09

 

"التنمية لا تحتاج تخمة مجالس وفصول"

في حديثه عن المجلس الوطني للجهات والأقاليم اعتبر الخبير في التنمية حسين الرحيلي أن هذا المجلس ما هو إلا إعادة لدور البرلمان ولا يختلف عنه في شيء بحسب ما تضمنه الدستور الجديد، ما عدا الاختلاف في عدد نواب كل مجلس.

وأشار الخبير إلى أن وجود المجلس كمتذيل للسلطة التشريعية لا يعطيه قيمة، خاصة إذا ما لم تكن له خصوصية في المهام والأدوار وفي الصلاحيات.

وقال حسين الرحيلي إن خلق مسار تنموي جديد لا يحتاج إلى تخمة قوانين ومجالس وفصول، فليست الهياكل هي من توجد التنمية وإنما الهياكل توجد لتنظيم الحالات، معتبرا أنه من الأخطاء الشائعة في تونس في العقود السابقة أننا نؤسس القوانين قبل تأسيس الهيكل نفسه، في هذا طرح مثلا لمزيد توضيح فكرته، قال: "على سبيل المثال نحن لم نضع مجلة الطرقات قبل إدخال السيارات إلى تونس، بل قمنا بإدخال السيارات ومد شبكات الطرقات ثم وضعنا قانونا لتنظيم تلك الحالة، نفس الشيء بالنسبة للأقاليم".

 

 

أما في حديثه عن الأقاليم، استفهم محدثنا قائلا: "ما هو مفهوم الإقليم؟ وعلى أي أساس ستقسم البلاد إلى أقاليم؟" متابعا: "الأقاليم هي مشاريع تنموية قبل أن تكون شعارات".

وتساءل إذا ما سيتم الاعتماد على التقسيم الترابي الحالي للولايات، معتبرا في الآن ذاته أن ذاك التقسيم هو تقسيم إداري بحت، ذو بعد أمني أبعد ما يكون عن كونه تقسيم تنموي، فالولايات الأقرب إلى بعضها تم ضمها وجمعها لتعتبر إقليما.

كما تساءل أيضا عن موعد انتخاب هذا المجلس الوطني للجهات الأقاليم، وعن قانونه الانتخابي وتاريخ صدوره.

وفي ختام حديثه اعتبر الخبير في التنمية حسين الرحيلي أن فكرة تأسيس المجلس هي وفاء من رئيس الجمهورية قيس سعيد لأتباعه من أنصار البناء القاعدي، وأنه لن يستمر أكثر من خمس سنوات، أي أنه سيذهب مع مغادرة سعيد للسلطة، قائلا: "على ما يبدو أننا في تونس أصبحنا من يأتي للسلطة يأتي بدستوره معه".

الجهات.. قاطرة التنمية

كيف يمكن للجهات أن تحقق التنمية؟ يسعى الدستور الجديد إلى إعطاء الجهات حقها في التنمية، وحق الفاعلين الجهويين في أن يكونوا مساهمين في تنمية جهاتهم.

لا يمكن أن ننكر دور الفاعل المحلي في تحقيق التنمية المحلية من خلال الاستثمار في الطاقات والقدرات والإمكانيات المحلية، والسعي إلى تثمينها محليا وجهويا من خلال العمل على الترابط والتكامل بين ما هو محلي وما هو مركزي.

يُمكن تركيز المجالس الجهوية من تقريب الإدارات ومختلف الهياكل إلى المواطن مما سيسرع من قضاء حاجياته دون الحاجة إلى التنقل إلى المركز أو الإدارات المركزية للمؤسسات.

 

ويمكن للجهات أن تكون قاطرة التنمية ليس للجهة فقط بل على البلاد بأكملها، من خلال التخصص على سبيل المثال أن تكون كل جهة رائدة في صناعة أو مجال أو قطاع، تحقق اكتفاء مواطنيها وتساعد على تحريك اقتصاد البلاد.

لكن رغم ما هو معهود لها، تبقى المجالس الجهوية غير قادرة على تحقيق انتظارات المواطنين في الجهات ما دامت لا تمتلك الآليات والوسائل التي تساعدها على الاضطلاع بدورها على أكمل وجه، وفي هذا نخص بالذكر الموارد المالية والطاقات البشرية والتسهيلات الإدارية والقانونية التي يجب أن تتفاعل مع المجالس وتسهل من مهامها لتحقيق التنمية المرجوة.

المجلس الوطني للجهات.. غرفة ثانية باختصاص تشريعي مضيق

اعتبرت أستاذة القانون هناء بن عبدة أن المجلس الوطني للجهات والأقاليم هو الغرفة الثانية في البرلمان التونسي في صيغته الجديدة التي اختارها له دستور 25 جويلية 2022.

واعتبرت أستاذة القانون أن المجلس له خصوصية تونسية تتمثل في أنه حظِي بمجال تشريعي مضيق، إذا لا ينظر في كل القوانين كما هو الحال بالنسبة لمجلس النواب أو كما هو الحال للغرف الثانية في برلمانات العالم المكونة من غرفتين.

وفي تفسيرها لذلك، أشارت بن عبدة إلى أن المجلس الوطني للجهات والأقاليم ينظر في نوعين فقط من القوانين، قوانين المالية وقوانين مخططات التنمية الجهوية والإقليمية والوطنية، بينما تنظر الغرف الثانية في برلمانات العالم في جميع أصناف القوانين، وهو ما يجعل المجلس الوطني للجهات والأقاليم غرفة ثانية ذات اختصاص تشريعي ضيق.

وإلى جانب الاختصاص التشريعي، فللمجلس الوطني للجهات والأقاليم دور رقابي يتمثل في النظر في مختلف المسائل المتعلقة بتنفيذ مخططات التنمية.

وأضافت بن عبدة أن من بين المهام الرئيسية الأخرى لهذه الغرفة التشريعية الثانية هي تعطيل إمكانية سحب الثقة من الحكومة، فحتى وإن سعى البرلمان إلى سحب الثقة من الحكومة فإنه بوجود مجلس الجهات والأقاليم تكون هذه المهمة شبه مستحيلة، باعتبار أن طريقة انتخاب أعضاء المجلس عبر التصعيد القاعدي تجعل من تكوين أغلبيات قادرة على التوافق على سحب الثقة من الحكومة أمرا صعبا.

مرّ قرابة الشهر على الاستفتاء ودخول الدستور الجديد حيز النفاذ، ومازالت البلاد مقبلة على استحقاقات انتخابية أخرى أقربها الانتخابات التشريعية المقبلة المقرر إجراؤها ديسمبر القادم.

في الأثناء مازال مسار تركيز المجلس الوطني للجهات والأقاليم غير معلن وغير معلوم، فلا مؤشرات على قانون المجلس الانتخابي ولا موعد انتخاباته ولا عن بقية الإجراءات الترتيبية والإدارية الأخرى للمجلس.

وبين فاعليته في تحقيق التنمية والنهوض بالجهات وتحقيق النمو المنتظر، ودوره الشكلي تبقى مآلات هذا المجلس وميكانيزم اشتغاله غير معلومة إلى حين انتخاب أعضائه وانطلاقه في العمل.

فهل سينجح المجلس الوطني للجهات والأقاليم في تحقيق التنمية في الجهات؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

{if $pageType eq 1}{literal}