Menu

عن مراكز إيواء المعنفات و أطفالهنّ/ جمعيات بصوت واحد: المطلوب أكثر بكثير مما هو مُتاح


سكوب أنفو-إسكندر صكّوحي

تُجمِع مكونّات المجتمع المدني والناشطات في مجال الدفاع عن حقوق النساء و الطفلات، على وجود "برودٍ" في التعامل مع قضية تأطير المعنفات من النساء و أطفالهنّ و حمايتهنّ من كافّة المخاطر، مقارنةً بالأعوام المنقضية، فالدولة مفلسة - لاسيّما على المستوى السياسي - كما أنّ السلطات المعنية لم تحافظ على نمط تطبيق الإجراءات كما في الأشهر الأولى من إصدار القانون 58، ولا يبدو أنها عازمةٌ على ذلك.

نكتب لكم/نّ هذه القصة الخبريّة بخصوص، "مسألة التعهد بالنساء والأطفال ضحايا العنف من خلال مراكز الإيواء  للنساء ضحايا العنف"، في عمل هو ثمرة من ثمرات مشروع تطوير إعلامي "عالم كندا: صوت للنساء والفتيات" الذّي تقوده منظمة صحفيّون من أجل حقوق الإنسان بهدف تعزيز حقوق الإنسان للنساء والفتيات من خلال تطوير وسائل الإعلام.

دخل القانون عدد 58 حيّز التنفيذ في فيفري 2018. و لازالت الدولة تتعامل معه على أنّه مكسبٌ جديد، في حين يعود عمل الجمعيات في مجال استقبال النساء ضحايا العنف ومرافقتهنّ إلى أكثر من عشرين عامًا. ففي حديثٍ أجرته مجلة جيم، مع الأستاذة والباحثة النسوية في علم الاجتماع درّة محفوظ، أكّدَت أنّ الجمعيات الوطنية المستقلّة مثّلت المختبَر الأوّلي لمناهضة العنف، حين بادرَت منذ عقدَين إلى استقبال الضحايا وتوفير المرافقة النفسية والإرشاد القانوني لهنّ. فتحَت أولى مراكز الإنصات والتوجيه للنساء الضحايا والناجيات من العنف أبوابها في مطلع الألفية الثالثة في تونس العاصمة، تبِعَتها أوّل دراسةٍ وطنيةٍ عن العنف وفّرَت للمرّة الأولى معطياتٍ لا يمكن دحضها عن طبيعة هذا العنف وتفاقم الظاهرة كمًّا ونوعًا، فأعلنَت الدولة عام 2008 "الاستراتيجية الوطنية لمقاومة العنف داخل الأسرة".

على الرغم من التحسينات التي سُجلت على صعيد التغطية الإجتماعية بعد الثورة، فإن المنظومة مازالت عاجزة ومعطلة بسبب المحاباة والزبونية. لم تكتف جمعيّة "بيتي"، التي انطلقت في العمل منذ 14 أفريل 2012، و احتوت منذ ذالك التاريخ إلى حدود هذا العام ما يقارب 1480 إمرأة، بتقديم الخدمات كي تكون الحضن الدافئ للنساء المستضعفات، بل هي تعمل على دفع تونس إلى المصادقة على الإتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم. وفي هذا السياق، وقعت الجمعية في عام 2017 على اتفاقية شراكة وتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة.

تُظهر الإحصاءات أن عدد الأجنبيات المستفيدات من خدمات "بيتي" مازال ضئيلا إذ أنه لا يتجاوز 10 بالمائة من العدد الإجمالي، لكنه في نمو وتزايد، فبعدما كان عدد اللاجئات 12 سيدة أجنبية في 2016 (من سوريا وليبيا والجزائر وبلدان إفريقية) ارتفع العدد إلى 35 سيدة سنة 2021، معظمهن من دول الساحل والصحراء، لكن بعضهن من بنغلاديش و هولندا... وقد تعرضن إلى عنف جسدي أو معنوي وسط أوضاع هشة لا تمكنهن من الدفاع عن كرامتهن بسبب الحمل أو المرض أو الفقر المدقع.

وبحسب الخبير الإقتصادي الدكتور عزام محجوب، فإن الحواجز الحقيقية التي يمكن أن تقلل من الفقر والهشاشة وجميع أشكال العنف، إنما تكمن في العمل الكريم والمعاملة المتساوية والتغطية الإجتماعية الحقيقية عبر أنظمة تأمين تعتمد على الحق وليس على المنة.

في زيارة للفضاء المُخصص لـ "لاستقبال النساء ضحايا العنف والإقصاء الإقتصادي والإجتماعي"، شرحت لنا مديرته السيدة وفاء فراوس، أن القاطنات في الفضاء يتوزعن على أربعة أصناف: "ضحايا العنف" اللائي يتمتعن بسكن استعجالي مدته 45 يوما، وثانيا "الوضع الإنتقالي" الذي ينطبق على الأجنبيات والنساء التونسيات اللائي يرغبن بالعودة إلى مدنهن الداخلية، و"سكن الإستقرار" الذي تنتفع به الطالبات اللائي لم يحصلن على سكن جامعي وكذلك النساء الشابات، ويُمكن لهن أن يُقمن عاما كاملا في الفضاء. وهناك أيضا خدمة تتعلق بـ "إعادة الإدماج" وهي تستهدف ضحايا العنف اللائي ينتقلن إلى سكن شبه دائم في الفضاء بعدما يقضين فيه 45 يوما. أضافت المديرة بينما كان أطفال يلهون في باحة الفضاء وهم يرتدون زيا موحدا، "نأخذ الأطفال على عاتقنا من دون تحديد للسن ونعمل على اندماجهم، ونخصص لهم منشطة تهتم بهم، ثم نرسلهم إلى المدرسة عندما يكبرون، كما نأخذ الرضع على عاتقنا عندما تذهب أمهاتهم إلى الشغل".

الأكل والشرب في الفضاء مجاني، مع أن المقيمات يدفعن مبلغا رمزيا حين يكون لديهن عمل، وتُحتسب تلك المساهمة نوعا من التوفير بما يُتيح لهن الحصول على مبلغ عند المغادرة النهائية للفضاء. يتألف الطاقم المسير للفضاء من مديرة ومديرة مساعدة، وكذلك مديرة مسؤولة عن المطبخ ومساعدة طباخة، ومسؤولة عن النظافة ومساعدة تنظيف، بالاضافة لثلاث مراقبات ليلا، علما أن التوقيت في الفضاء صارم، إذ تقفل الأبواب اعتبارا من الثامنة مساء.

المديرة أوضحت أيضا أن "الفتيات اللائي مررن بمراكز إيواء حكومية سابقا، يتصورن أننا في خدمتهن، وبعد المران يُدركن أننا نؤازرُهن لاستعادة حقوقهن الإقتصادية والإجتماعية مثل الكرامة والحق في العمل". وتابعت "لهذا السبب شكلنا مجموعات نقاش ونختار في كل مرة محورا جديدا، مع الإستعانة بخبراء متخصصين، مثلا حول العنف المُسلط على الأطفال أو التضامن النسوي أو الحب، أو نعرض فيلما ونناقشه مثل فيلم "على كف عفريت" في الأسبوع الماضي.

ربما ما يستوقف في وضع الوافدات على الجمعية أنهن تعرضن لأصناف مختلفة من العنف قبل مجيئهن إلى هذا المركز. فمن أصل 212 فتاة وسيدة أقبلن على "بيتي" تعرضت 180 منهن (85%) إلى شكل من أشكال العنف الجسدي أو المعنوي أو الإقتصادي أو الجنسي. هذه النسبة تتطابق مع نتائج الإحصاءات التي قامت بها المؤسسات الرسمية حول انتشار العنف الذي يستهدف المرأة بأشكال مختلفة.

يبدو أن تعدّد الاعتداءات التي تتعرض لها المرأة جعلت أكثر من جمعية وهيأة تنشئ هياكل للإحاطة والتوجيه والدفاع عنهن، منها "مركز الإدماج ومركز الدفاع الإجتماعي" وجمعية "أمل من أجل الأم والطفل" وفضاء "تمكين" الذي أنشأته "جمعية النساء التونسيات الجامعيات والباحثات في التنمية"، وفضاء 13 أوت (تاريخ صدور قانون الأحوال الشخصية في سنة 1956) والمعهد الوطني لحماية الطفولة و"السبيل" وغيرها.

أظهرت الاحصاءات أن غالبية النساء الوافدات في السنوات الأخيرة، جئن بناء على نصيحة من صديق أو صديقة، وعدد هؤلاء 82 سيدة، وفي الرتبة الثانية جئن بناء على نصيحة من إحدى المستفيدات (29) وفي الرتبة الثالثة بناء على توجيه من جمعيات أهلية (48) أو من منظمات دولية غير حكومية (15). أما الباقيات فجئن بتشجيع من دوائر الدولة والمؤسسات العمومية الواقعة تحت أنظار وزارتي المرأة والأسرة والطفولة والشؤون الإجتماعية (40). واللافت للنظر أن بعضهن تم توجيههن من مكتب التوظيف أو قناة تليفزيونية أو حزب سياسي أو سفارة أجنبية أو مدير مدرسة.

تُرافق جمعية "بيتي" فتيات ونساء من جميع الأعمار بدءا من الثامنة عشر، وأحيانا حتى من سن أبكر، وشكلت اللائي يقل سنهن عن الثلاثين حوالي 37 في المائة من الوافدات، لكن النسبة الأكبر مؤلفة من اللائي يتراوح سنهن بين الثلاثين والأربعين. أما عن الوضع الاجتماعي فإن الغالبية بلا عمل، إذ بلغت نسبتهن 74 في المئة في 2020 وأكثر من 96 في المائة في 2021. كما أن أكثر الوافدات لا يتمتعن بأي نوع من أنواع التغطية الإجتماعية.

من جهتها، أفادت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، نائلة الزغلامي، في تصريح لموقع سكوب أنفو، بأنّ "بضرورة مرافقة النساء المعنّفات ، وأوّل مركز إصغاء في تونس أنشأته جمعية النساء الديمقراطيات في عام 1993، وقد استقبل حتى عام 2015 نحو ثلاثة آلاف ضحية معنّفة. كذلك أنشأنا أربعة مراكز للإصغاء، منها ثلاثة بعد الثورة في ولايات سوسة والقيروان و صفاقس".

و أضافت الزغلامي أنّ "حالات كثيرة تصلنا إلى المركز، بعضها محوَّل من قبل وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السنّ أو وزارة الداخلية، في وقت لا بدّ على الدولة من أن تهتم بالضحايا لأنّ الجمعيات غير قادرة وحدها على تحمّل الأعباء"، مشدّدة على أنّ "النساء المعنّفات يكنّ في أوضاع هشّة، وأولى خطوات مواجهة العنف هي من خلال إبعادهنّ عن العنف والاستماع إليهنّ ومشاركتهنّ آلامهنّ وتلبية احتياجاتهنّ".

كما أكّدت محدثتنا أنّه "على الرغم من صدور القانون رقم 58 لسنة 2017 للقضاء على العنف ضدّ المرأة، إلا أنّه لم يُطبّق بعد، نظراً إلى عدم تخصيص الاعتمادات اللازمة لمساندة الضحايا"، شارحة أنّه "لا بدّ من وضع ميزانية خاصة بتطبيق القوانين".

فيما ترى عضو الرابطة التونسية لحقوق الإنسان حليمة الجويني، في حديث إعلامي سابق، أنّ "النساء المعنّفات صرنَ يعينَ حقوقهنّ أكثر ولم يعدنَ يصمتنَ على العنف، فكثيرات هنّ اللواتي يقصدنَ مراكز الإصغاء ويتحدثنَ عن العنف الذي يتعرّضنَ إليه ويسألنَ عن القوانين".

كما أضافت أنّ "مراكز الإصغاء متوفّرة لكنّ مراكز الإيواء قليلة في الوقت الذي يجب أن تخصّص كلّ بلدية مركزاً أو اثنَين لذلك، لأنّ الصعوبة الأولى التي تعترض المرأة المعنّفة هو المكان الذي يتعيّن عليها أن تقصده، بالتالي فإنّ مثل هذه الفضاءات هي مهمّة وضرورية"، مشدّدة من جهة أخرى على "ضرورة تعزيز الوقاية والتوعية حول خطورة الأمر". 

{if $pageType eq 1}{literal}