Menu

مراكز إيواء المعنفات و أطفالهنّ في تونس: نقص في التأطير و الوزارة تعد بالأفضل


سكوب أنفو-إسكندر صكّوحي

كانت ليلى أمٌ مميّزةٌ بين المُقيمات. ما لم تخبرني به بلسانها أخبرَتني به رفيقاتُها المنبهرات بها، فقد كانت بالنسبة إليهنّ موهوبةً ومستقلةً إلى حدٍّ كبير. ولم تخبرني سوى أنها لشهورٍ طويلةٍ لم تمسك قلمًا وألوانًا، ثم استعادَت الرغبة بالرسم عن طريق الورشات الفنية التي نظّمها "مركز الأمان" لفائدة النساء المُقيمات وأطفالهنّ.

انطلقت وزارة المرأة والأسرة و الطفولة و كبار السن، منذ أسبوع، في الإعداد لبرنامج الاحتفال باليوم الوطني للمرأة 13 أوت، حيث نشرت صفحة الوزيرة على موقع الفايسبوك، أنّه سيتم بمناسبة هذا اليوم الإعلان عن بعث 5 مراكز جديدة لإيواء النساء ضحايا العنف.

نكتب لكم/نّ هذه القصة الخبريّة بخصوص، "مسألة التعهد بالنساء والأطفال ضحايا العنف من خلال مراكز الإيواء  للنساء ضحايا العنف"، في عمل هو ثمرة من ثمرات مشروع تطوير إعلامي "عالم كندا: صوت للنساء والفتيات" الذّي تقوده منظمة صحفيّون من أجل حقوق الإنسان بهدف تعزيز حقوق الإنسان للنساء والفتيات من خلال تطوير وسائل الإعلام.

وفق "التقرير الوطني لوزارة المرأة" بشأن متابعة تطبيق القانون عدد 58 بعد خمس سنوات من دخوله حيّز التنفيذ (2017-2022)، جرى تأمين خدمات الإنصات لأكثر من 4372 ضحيةً وناجية، مقابل إيواء حوالي 345 في مختلف مراكز الإيواء.

وفي العادة، يجري توجيه النساء إلى مراكز الإيواء عبر متدخّلات و متدخّلي الصفّ الأول كمندوب/ة حماية الطفولة، قاضي/ة الأسرة، ممثل/ة النيابة العمومية، الطبيب/ة، أو أحد معاوِني/ات وزارات الصحة، الشؤون الاجتماعية، التربية أو شؤون المرأة. كما يمكن تحويل النساء إلى المراكز عن طريق شبابيك الإنصات والتوجيه التابعة للجمعيّات، والتي لا يتجاوز عددها العشرين وتتوفّر في أقلّ من عشر ولايات. وعلى أيّ حال، لم يبقَ من مراكز الإيواء - حتى كتابة هذه السطور - سوى مركزٍ واحدٍ مفتوحٍ لاستقبال النساء، هو ’مركز سيدي علي عزوز التابع "لجمعية بيتي" في تونس العاصمة، في حين أغلقَت باقي المراكز أبوابها بسبب تراكم المشكلات التنفيذية واللوجستية، وفشل الشراكة مع السلطة المُشرِفة، وانعدام الموارد، بالإضافة إلى الأزمة الناتجة عن جائحة كورونا.

قد يبدو للوهلة الأولى أن القانون الأساسي ساهم في تعميم الخدمات المسداة للنساء في كافة الجهات، لكنها في الواقع ما زالت لا تغطّي ولايات الجمهورية كافةً البالغ عددها 24. كما أنّ القانون عدد 58 لا ينصّ على مبدأ تعميم الخدمات، بل هو مبدأٌ دستوريٌ من شأنه تقليص التفاوت الحاصل بين الجهات والفئات الاجتماعية في البلاد. وتشير الأرقام الخاصة بوزارة الداخلية إلى تسجيل الوحدات المختصّة في جرائم العنف ضد المرأة والطفل 71980 حالة عنفٍ ضد النساء والفتيات خلال عام 2021، شكّلت جرائم العنف الجسدي 62% منها.

تهيمن التحدّيات المالية على مختلف إشكاليات تطبيق القانون، إذ يتمثّل العائق الأكبر في الصعوبات المادية والهشاشة الاقتصادية المتأصّلة على الصعيدَين الفردي (أي النساء المعنيّات) والهيكلي من حيث الإمكانات والموارد المرصودة. وفي لقاءٍ سابقٍ جمعَني بعضوات وأعضاء 'الشبكة التونسية لمراكز الإيواء والإنصات للنساء ضحايا العنف'، رفعَت إحدى مقدّمات الخدمات للنساء في ولاية القصرين الجلسة قائلة: "يمكننا الاسترسال في تعداد الإشكاليات اللوجستية والتنفيذية والإدارية وغيرها حتى الفجر، لكن جميع مَن في القاعة يعلم أن الخلل مالي، فبلا موارد لن نتمكّن من إيواء النساء".

تُقدّم مراكز الإيواء للنساء خلال أشهر الإقامة الأولى الرعاية الطبّية والنفسية، وتعيّن لهنّ مختصّاتٍ في علم النفس يُساعدنهنّ على البوح. تقول هندة: "كنتُ محظوظةً إذ التقيتُ بالمختصّة النفسية في اليوم الأول من وصولي إلى المركز". وبحسب الحالة، قد تتطلّب الرعاية الطبّية والنفسية ثلاثة أشهرٍ قبل أن تبدأ عملية الإدماج الاجتماعي والاقتصادي. وتعتبر كنّو أن العمل على إعادة تأهيل النساء اقتصاديًا يحتاج إلى وقتٍ ومساحةٍ مختلفَين نوعيًا عمّا يقدّمه مركز الإيواء المؤقت، فوفقًا لها، ما زال التكوين ضعيفًا وما زالت الجمعيات تتحرّك ضمن الإمكانات المتاحة والمحدودة. 

أمّا ما يؤرّق فاتن شوّالي، منسّقة مشروع التمكين الاقتصادي للنساء الضحايا والناجيات من العنف في إحدى الجمعيّات، فهو مصير النساء المجهول بعد انقضاء فترة الإيواء. 

لا يمكن التوقف عند تجربة الإيواء المؤقت، إذ يشترط التعهّد وفق ما ينصّ عليه القانون عدد 58، إعادة التأهيل والإدماج الاقتصادي والاجتماعي الذي يساعد المرأة الضحية/الناجية على الخروج من دائرة العنف والقطع مع المعتدي. وبحسب الدراسة التي أنجزَتها جمعية ’بيتي‘، تقرّ معظم النساء المُقيمات أنهنّ اضطُررن للعيش في تلك المراكز، فهي ليست الخيار الأول للمرأة.

مع ذلك، تتضرّر النساء بسبب قلّة عدد المراكز سواء التابعة للمؤسسات العمومية أو للجمعيّات. أما بالنسبة إلى الجانب الاقتصادي لظاهرة الإيواء في المراكز الاجتماعية، فتكشف الدراسة عن صعوبة إدماج غالبية النساء في سوق الشغل بسبب ضعف المستوى التعليمي وعدم تحصيلهنّ أيّ برامج تكوينية.

و قالت شوّالي: "لا يمكننا كجمعيّاتٍ أن نتحمّل المسؤولية كاملةً في غياب الدولة، نحن نحارب العنف ولا يمكننا أن نطبّع مع العنف المؤسّسي الذي تمارسه أجهزة الدولة من خلال المماطلة والتعطيل الممنهج".

وفي عام 2019، أوى "مركز الأمان" 94 فردًا منهنّ 48 امرأةً و46 طفلًا برفقتهنّ. هذا التحدّي لم تغفل عن ذكره الرئيسة السابقة "لجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية" سلوى كنّو، إذ تقول: "كان علينا أن نراعي داخل المركز العلاقة بين الأم والطفل، فعدد الأطفال يوازي عدد النساء، وهم يحتاجون رعايةً خاصة، ومرافقةً نفسيةً أو مدرسيةً أو غير ذلك". 

تقدّم وزارة المرأة "مركز الأمان" كمركزٍ نموذجي، وقد تعاقبَت على ترؤس الوزارة منذ افتتاحه خمس وزيرات. لكن تأخير أعمال الصيانة والتهيئة أدّى إلى إغلاق أبواب المركز في وجه النساء الضحايا والناجيات. ففي شهوره الأخيرة التي تزامنَت مع انتشار جائحة كورونا، بات المركز يشكّل خطرًا على المُقيمات والعاملات فيه بسبب خللٍ كهربائي داخل الغرف، تطلّبَت صيانته معاملاتٍ إداريةً بيروقراطيةً طويلةً وموارد إضافيةً تستلزم المراجعة والمصادقة عليها من قبل سلطة الإشراف. 

و يذكر أنّه تمّ في جانفي المنقضي، إمضاء اتّفاقية شراكة بين الوزارة والجمعيّة التونسية للتصرّف والتوازن الاجتماعي TAMSS، ممثلة في شخص مديرتها التنفيذيّة السيدة شامة القرقوري، تتولى بمقتضاها هذه الجمعيّة تسيير مركز "الأمان" لإيواء النساء ضحايا العنف والأطفال المرافقين لهنّ على امتداد ثلاث سنوات.

وأكدت الوزيرة آمال بلحاج موسى، في كلمة لها، أن هذه الاتفاقيّة تتنزّل في سياق الحرص على تعزيز القدرات الوطنيّة في مجال التعهّد بالنساء ضحايا العنف وسيتمّ بمقتضى هذه الاتفاقية إعادة فتح مركز "الأمان" بتونس الكبرى بداية من 1 فيفري القادم بعد أن أتمت الوزارة أشغال صيانته وتهيئة وتعصير مرافقه بكلفة 200 ألف دينار إثر توقف عن النشاط ناهز السنة والنصف.

كما أعلنت أن الوزارة تعمل على إحداث 4 مراكز مماثلة بعدد من المناطق الداخلية من البلاد قبل موفى سنة 2022 ليرتفع العدد الإجمالي لمراكز "الأمان" لإيواء النساء ضحايا العنف والأطفال المرافقين لهنّ الى 7 مراكز على المستوى الوطني.

وفي معرض بيانها للخطوات المقطوعة لاستكمال تركيز المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة، أضافت الدكتورة أمال بلحاج موسى بأن الوزارة ماضية في تعزيز مسار العمل التشاركي مع النسيج الجمعيّاتي لمزيد توسيع خارطة مراكز الانصات الجمعيّاتية وتجويد خدمات الرقم الأخضر 1899 للإصغاء وتوجيه النساء ضحيا العنف.

ويعدّ مركز "الأمان" لإيواء النساء ضحايا العنف والأطفال المرافقين لهن المركز الحكومي الأول من نوعه وطنيّا والوحيد بتونس الكبرى. وقدّ أمّن هذا المركز منذ احداثه سنة 2016 إيواء 581 ضحيّة للعنف منهم 252 طفلا. ويحتوي المركز إضافة إلى الجناح الإداري على قاعة متعدّدة الاختصاصات ونادي للإعلامية ووحدتي حياة بطاقة استيعاب في حدود 30 سريرا. كما يتوفّر المركز على ورشة خياطة وورشة لصناعة المرطبات إضافة إلى فضاء خارجي يتم استغلاله لإنتاج الخضر والنباتات العطريّة والطبيّة التي يتمّ تقتيرها في إطار تثمين المنتوجات الفلاحيّة.

وستتولّى الجمعية التونسية للتصرف والتوازن الاجتماعي تسيير هذا المركز معزّزة بتجربتها في مجال الإحاطة بالنساء ضحايا العنف وأطفالهنّ، حيث تولت هذه الجمعيّة إنشاء 5 خلايا إنصات سنة 2015 بكل من تونس وصفاقس والقيروان وقفصة وتسيير مركز أروى القيروانية لإيواء النساء ضحايا العنف والتعهّد بـ 953 امرأة وإيواء 59 امرأة معنفة مع توفير خدمات التمكين الاجتماعي والاقتصادي.

يذكر أن تسيير مركز "الأمان" بتونس الكبرى أسند منذ انطلاق نشاطه في 21 مارس 2016 إلى جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية في إطار اتفاقية شراكة بين الوزارة وهذه الجمعية، وتم تجديد هذه الاتفاقية بتاريخ 07 ماي 2018 لمدة 3 سنوات جديدة.

ويوفّر المركز وحدتيّ حياة بطاقة استيعاب في حدود 30 سريرا وقاعة متعدّدة الاختصاصات وناديا للإعلامية إلى جانب الجناح الإداري. كما يتوفّر المركز على ورشة خياطة وورشة لصناعة المرطبات وفضاء خارجي يتم استغلاله لإنتاج الخضر والنباتات العطريّة والطبيّة التي يتمّ تقطيرها في إطار تثمين المنتوجات الفلاحيّة.

قبل أن ننتهي معكم/نّ، علينا أن نشير أنّ عمل الوزارة يبقى محدودا و منقوصا، و رغم تعذر اتصالنا بأحد المسؤولين بوزارة المرأة بتعلّة انشغالهم/نّ بالتحضير و الإعداد للاحتفال باليوم الوطني للمرأة 13 أوت، إلا أنّ الأمل لايزال مرسوما و يخط سيبل العمل سويّا؛ مؤسسات الدولة، الإعلام و المجتمع المدني.

  

{if $pageType eq 1}{literal}