Menu

استفتاء 25 جويلية.. وعي شبابي باهت في ظل حملات تفسيرية بالية


أحمد كحلاني - مراسلون

انطلقت منذ أيام حملة الاستفتاء على الدستور الجديد.. أجواء صاخبة في الإعلام والمدن والساحات وأينما وجد جمع من الناس، تشنجات ومشاحنات والهيئات ترصد وتسند المخالفات.

بعيدا عن كل هذا يواصل إيهاب ذو العقدين ونيف عمله في محله للحلاقة الكائن بمعتمدية وادي مليز من ولاية جندوبة، في جو من الهدوء والبرود.. منصتا لموسيقى خافتة اختارها تساعده في التركيز على تفاصيل شعر حريفه.

بين الفينة والأخرى تدور أحاديث بين الحرفاء الذين ينتظرون أدوارهم، من أجواء العيد إلى غلاء الأسعار وصولا إلى الاستفتاء، وفي هذا الفلك يدور الحديث.

شاركتهم الحوار وسألت: ماذا تعرفون عن الاستفتاء؟

من نظراتهم شعرت وكأن الكل يريد الإجابة، لكن لم ينبس أحد بكلمة.

طيب إذا من سيشارك في الاستفتاء؟ سألت مرة أخرى، سمعت ضحكات، ومن ثم تكلم من هو على يميني "لا صاحبي مش ماشين" وقبل أن أقول كلمة أخرى.. تابع "شنية منهم؟" يسألني.

ويقصد بسؤاله ما إن كنت أحد المشاركين في الاستفتاء.. فقد تعود ظهورهم دون مؤشرات.

قدمت لهم نفسي، وحينها أجابني إيهاب إجابة تبدو جاهزة لديه مسبقا: "بالله علاش باش نستفتو، شنية باش يتبدل، الوجوه هي هي، شنية عندهم عملولنا في السنين اللي فاتت، هانا نخدموا على رواحنا وكهو وخليهم هوما يعملو في رواحهم ويعملو فينا كيف ما يحبو" 

شاطره ياسين الرأي وقال: "بالله أحنا كيف باش نمشو نشاركو في الاستفتاء وباش نختارو نعم وإلا لا.. هل نحن بالرسمي عارفين شنية عملنا" وتابع، هل نحن كيف باش نعطو رأينا في الدستور هل نحن فهمناه الدستور؟ هل قريناها النسخة الجديدة؟ هل عرفنا الفرق بينها وبين القديمة؟".

معتبرا بهذا أن ما نحن قادمون عليها مجرد أشياء ثانوية ليست من أولويات التونسيين في هذه الفترة، وتابع ياسين قائلا: "تحب رأيي، المشكل الصحيحة مش في الدستور ولا القوانين ولا إلى يعملو فيه توا، المشكلة الحقيقية في التطبيق"

وتابع: "الدستور القديم وإلا حتى إلي قبلو كنا نجمو نعيشو به فقط كان جينا بالرسمي نحترموه ونطبق فيه ونلتزم به".

لئن يعتبر اليأس والإحباط من المشاركة في أي تظاهرة أو مناسبة سياسية ظاهرة وطنية انتشرت بين الشباب في السنوات الأخيرة، فإن نسبة هذا الفتور تعتبر كبيرة جدا في المناطق الداخلية على غرار بلدية وادي مليز التي لم يبدى نسبة واسعة من مستجوبينا فيها أي انطباع عن المرحلة المقبلة.

ولعل من أسباب هذا الانسحاب الشبابي هو التهميش والتنكر للوعود ما جعل المناسبات الانتخابية تفقد مصدقيتها كآلية تمكن الشعب من تحديد مصيره بنفسه.

وفيما عاد الهدوء إلى المحل والجميع منصتا إلى الموسيقى الهادئة المشغلة من على منصة يوتيوب.. قاطع إعلان خاطف استمتاع الجميع بموسيقاه الصاخبة.. إنه إعلان ركيك بلغة غير مفهومة لجهاز لا فائدة منه، تحول بدوره إلى موضوعا للحوار.

هممنا بمغادرة المحل ومواصلة طريقنا.. الشمس تتوسط السماء، حرارتها ترتطم بالأرض وترتد على السائر فوقها.. "مالا شهيلي" كما سمعنا سيف يقول.

على طريق الطويلة وجدنا سيف.. يفترش لحافا بسيطا، وتحجب عنه شجرة الكاليتوس أشعة شمس المنتصف من شهر جويلية التي تتجاوز الـ40 درجة في تلك اللحظة.

سيف يبيع الغلال على قارعة الطريق.. وتحديد البطيخ والدلاع.. رغم استحالة قدوما حرفاء في هذا الوقت إلى إلا أن بقائه أفضل وأسهل عليه من إدخال سلعته وإعادة عرضها في المساء وما في ذلك من عناء ومشقة.

شاركنا سيف جلسته.. تبادلنا أطراف الحديث عن سوق الغلال وتوفر السلع والأسعار والعرض والطلب، يبدو هو الآخر تأثر بفقدان الزيت من السوق.. يقول سيف مازحا.. فكل شيء مرتبط ببعضه البعض، حسب تعبيره.

ومن ذلك انتقلنا للحديث عن الاستفتاء، فسيف قد سمع بعض الأحاديث حوله، كما توقفت عنده سيارة قبل قدومنا بقليل، يبدو أنها لمناصرين لحملة الاستفتاء بحسب ما يتذكره سيف من شعارات.. لكنه لم يكن يأبه لوجودهم حينها.

سألنا سيف عن الاستفتاء.. حسب رأيك ما هو الاستفتاء، فأجابنا إجابة بسيطة ومختصرة مرفقة بابتسامة: "والله ما نعرف".. ثم يتابع "منحبش نكذب عليك ونقلك انتخابات خاتر هو مش انتخابات.. أما هو شنية بالضبط وفي شنية يختلف على الانتخابات والله لا نعرف".

سألنه أكثر.. هل تعتبر نفسك أنت الذي رغبت في أن لا تعرف شيء عن هذا كله أم أن هناك تقصير من طرف ما لم ينجح في إيصال المعلومة، ليجيب وكأننا أحرجناه بسؤلنا "الحقيقة ميهمنيش يزي ما غطسنا صبعنا ومربحنا شيء.. أنا في آخر الدنيا مطيش تحت شجرة كاليتوس شكون باش يتذكرني والا يتلفتلي"

وواصل حديثه: "هذوكم اللي كان يتعاركوا في المجلس فيهم قداش من واحد كان يجو يبقوا بحذايا.. بالضبط وين قاعد أنت"، مشيرا إلي بإصبعه، ويتابع، "شفتش فيهم واحد تذكرنا وقتها.. لا.. إذا يا خويا آش مدخلني".

وفيما نحن نتبادل الحديث.. تقترب إلينا من بعيد ابنة أخيه الصغرى حاملة إليه الغداء.. سألها بصوت عالٍ وساخرٍ

 "يا سلوى .. ياخي شنية الاستفتاء هو؟" تردّ هي الأخرى بإجابة ليست بعيدة عن إجابته، إجابة عمدت أن تكون مضحكة، لكنها تعكس وعي الشباب في المناطق الريفية بالاستفتاء "كلها تفتي في القوانين ولا حد يعطيك الصحيح.. شنية هو الاستفتاء بالرسمي ووقتاش ننتخبوه"

هل ننتخب الاستفتاء؟

لئن يشترك الاستفتاء والانتخابات في بعض المراحل أو التمشيات إلا أن الاختلاف بينهما جوهري.

ففيما تشمل الانتخابات التصويت على القائمات أو الأشخاص في كل من الانتخابات التشريعية أو الرئاسية أو البلدية، فإن الاستفتاء هو عبارة عن تصويت مباشر بخصوص مسألة أو موضوع أو نص أو دستور يعرض على الناخبين للأخذ برأيهم فيه بالقبول أو الرفض.

تُجرى الانتخابات بصفة منتظمة ودورية، مرة كل خمس سنوات على غرار الانتخابات الرئاسية والتشريعية، في حين يكون الاستفتاء استثنائيا قد تفرضه الحاجة.

تعتبر النتيجة التي تفضي إليها الانتخابات إلزامية لا جدال فيها، حيث أن الشعب قال كلمته واختار من يرأسه أو من ينوبه في البرلمان، فيما تتراوح نتيجة الاستفتاء بين الإلزامية والاستشارية وذلك حسب طبيعة الاستفتاء وموضوعه الذي يكون معلوم منذ البداية.

وعي الشباب.. مسؤولية مشتركة

عن هذا النفور وغياب الوعي تحدث أستاذ القانون الدستوري محمد عطيل الظريف أن فكرة الاستفتاء كآلية من آليات الديمقراطية ليست متغلغلة في ثقافة التونسيين على عكس الانتخابات، فلم يتعود التونسيين على استدعائهم للأخذ بآرائهم في مسائل مصيرية تهم البلاد والشأن العام.

مضيفا، تونس لم تعيش من قبل تجربة الاستفتاء إلا في مناسبة واحدة سنة 2002 وكان حينها استفتاء شكلي موجه بشكل مفضوح لصالح مشروع الرئيس السابق زين العابدين بن علي الراغب في زيادة عدد سنوات بقائه في الحكم.

وتابع أستاذ القانون الدستوري، أنه على عكس ما نشهده اليوم من عدم إدراك وعدم اهتمام، فإن الاستفتاء كآلية، وبطبيعته الاستثنائية يستحق أكثر اهتماما من التونسيين عامة والشباب خاصة، لكونه ليس دوريا ولا يتكرر دائما.

أما عن مسؤولية هذا الخمول، اعتبر الظريف أنها مسؤولية مشتركة تتحملها عدة أطراف، أولهم الدولة التي لم تقم بدورها التفسيري والتوعوي والإعلامي الكامل، إلى جانب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي لم تنجح في مهمتها الاتصالية والترويجية لهذا الاستحقاق، إلى جانب عجز المفسرين عن القيام بالدور المناط لهم والمتمثل في إزالة الغموض المتعلق بكل مراحل الاستفتاء، ذلك إلى جانب مسؤولية الشباب الذي اختار الانغلاق والانعزال وعدم المشاركة في الحياة السياسية.

 

ضعف الحملات التفسيرية

رُغم تعدد الحملات المناصرة للاستفتاء والمناهضة على حد السواء، فإننا التمسنا نقص كبير في الحملات التفسيرية الموضوعية للاستفتاء كآلية تمكن المواطنين من إبداء رأيهم في مسائل تهم بالبلاد إما بالقبول أو الرفض.

أضف إلى ذلك أن الحملات التفسيرية بما عليها لا تتجاوز حدود المدينة، متناسية بذلك شساعة ريفها، كما هو الحال مع مدينة وادي مليز، وذلك في ظل الظروف المناخية القاسية.

وفي هذا تحدثت رئيسة الهيئة الفرعية للانتخابات بجندوبة صباح مشرقي أن الهيئة على إطلاع بالنقص الذي تعاني منه الجهة على مستوى الوعي الشبابي بالاستفتاء كآلية لتعزيز الديمقراطية خاصة في المناطق الريفية.

وأضافت إلى أن الشباب يعاني من نظرة تشاؤمية للمشاركة في كل ما هو سياسي، مضيفة أن قصر الوقت وتسارع مراحل الاستفتاء لم يترك الوقت الكافي أمام الشباب لهضم واستيعاب كل ما له علاقة بالاستفتاء.

وفيما يتعلق بالمخالفات، قالت رئيسة الهيئة الفرعية للانتخابات بجندوبة أنه تم منذ انطلاق حملات الاستفتاء وإلى حدود يوم 18 جويلية تسجيل 3 مخالفات تتمثل في النشاط دون إعلام واستعمال علم الجمهورية التونسية أو شعارها في المعلقات والنشاط الغير مصرح به.

هجرة التلفاز وغياب المعلومة

يعتبر التلفاز وسيلة الإعلام الأولى التي يستقي منها مواطني المناطق الريفية أخبارهم، لكن من الرائج أيضا أن متابعة التلفاز في فصل الصيف تتقلص بشكل كبير، فهم لا يهتمون بها في النهار ويتحاشون المكوث قربها في الليل.

ومع غياب برامج متوازنة قادرة حقا على شد انتباههم حسب تعبير وائل، فإن ذلك يجعلهم شبه غير مدركين لما يحدث على الساحة السياسية.

سألنا وائل، كشاب ومع عدم اهتمامك بالتلفاز، ألم تلاحقك الأخبار أثناء تصفحك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

أجابنا إجابة تعتبر منطقية إلى حد كبير، أنا غير مهتم بالسياسة، وأتفادى كل ما له علاقة بالأخبار السياسية أو التظاهرات السياسية، لا أشاهد فيديوهات عن سياسيين ولا أبحث عن أسمائهم في محركات البحث، حتى أني لا أعرف انتماءات عدد كبير منهم.

ويتابع، وسائل التواصل الاجتماعي وكما هو معلوم للجميع تعطيك فقط ما أنت مهتم به.. بالتالي لا علاقة لي بالسياسة ولا بما يحدث في البلاد، وختم كلامه بـ "هم أجبرونا على فعل ذلك"

رغبة في التغيير

عن وعي الشباب بالاستفتاء  توجهنا بالسؤال لعضو المجلس البلدي ببلدية وادي مليز عبد الرزاق مرزوقي الذي اعتبر أن شباب المنطقة متحمس لهذا الاستحقاق، حسب تعبيره. وأضاف أنهم واعين بالاستفتاء كآلية وبموضوعه المتعلق بتغيير دستور الجمهورية التونسية.

وتابع المرزوقي أنه رغم نقص الحملات التفسيرية في مدينة وادي مليز على غرار بقية المناطق فإن قناعة شباب الجهة بضرورة التغيير جعلته يتدارك ذلك.

أرقام حول الاستفتاء

أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في منشور محين على صفحتها الرسمية على فيسبوك، بعد إدخال رئيس الجمهورية بعض التعديلات والإصلاحات على نسخة الدستور موضوع الاستفتاء أنه تم قبول 153 تصريحا للمشاركة في الانتخابات تتوزع كالآتي:

وتتراوح مواقف المشاركين في حملة الاستفتاء بين 146 مناصرا لمشروع الدستور الجديد و7 معارضين له.

وقد أعلنت هيئة الانتخابات أن عدد المسجلين بعد عملية التسجيل الآلي بالسجل الانتخابي والمؤهلين للاقتراع في الاستفتاء بلغ نحو 9 ملايين و300 ألف، 7 ملايين منهم مسجلين إراديا منذ الاستحقاقات الانتخابية السابقة و2,335,238 تم تسجيلهم آليا. ويتوزع المسجلين بين 8,939,773 ناخب داخل البلاد و356,291 مسجل خارج البلاد.

 

{if $pageType eq 1}{literal}