Menu

رؤية جديدة لخلق أقطاب تنموية جهوية وفق معايير حديثة أو تنزيل النموذج المغربي في لامركزية التنمية


سكوب أنفو- محمد بوعود

في مفتتح الندوة التي انتظمت بمناسبة احياء ذكرى المسيرة الخضراء بمدينة الداخلة، والتي أحياها عدد من الدكاترة وأساتذة الجامعة من المختصين في العلوم السياسية والاجتماعية والدراسات الاستراتيجية، بالتعاون بين جمعية ابن خلدون للتنمية ومركز الاطلس لدراسة الامن ومسؤولي التنمية والتخطيط في جهة الداخلة، أجمع تقريبا جُلّ المتدخلين على أن نموذج اللامركزية في التنمية الذي نصّ عليه دستور 2011 لازال يعطي نتائج ايجابية في المجالين الاقتصادي والاستثماري، بل أنه يعطي أيضا دفعا قويا للمشاريع، ويشجّع على الاستقرار، ويخلق ديناميكية جديدة من شأنها دفع الشباب المغربي إلى إطلاق المبادرة والايمان بقدراته على الخلق والإبداع وتحقيق الكسب في موطنه وجهته الأصلية.

كما أكد المتدخلون في تقييمهم للسياسات العمومية فيما يتعلق بالتنية والجهات والتصرّف الذاتي في الموارد المحلية، أن هذه السياسات قد أخذت منحى جديدا منذ اقرار تنقيحات 2011 المتعلقة باعادة هيكلة الدولة وضبط علاقاتها بالجهات والاقاليم، والذي مكّن من اكتشاف نقاط القوة في تجربة التنمية الجهوية واستغلالها، ونقاط الضعف لتداركها.

ذلك أن التقييمات السابقة وجدت هنات في عدم فهم خصوصيات كل جهة، والتركيز على نقاط قوتها، وتحويلها الى جهة مستقلة في القرار والموارد وفق ما جرى التأكيد عليه في تحيين المنوال التنموي الذي جرى في 2017، والذي ركّز بالخصوص على الجانب التشريعي واعطاء الحماية القانونية والقضائية للملاكات المتصرّفة في التنمية وهو ما رفع من نسبة المردودية وأعطى دفعا للتحول الهيكلي، وقرّبه أكثر من المواطن بعد عقود من التعالي والتسيير الفوقي الذي يعتمده القطاع  العام وسياساته التي لا تراعي عادة خصوصيات كل جهة ومواردها ونوعية التنمية التي تتطلّبها.

وهو تقريبا ما لخّصه العميد محمد الغالي، من جامعة مراكش، في مداخلته في الندوة بعبارة "اللامركزية المرتبطة بعمق السلطة"، حيث بيّن أن مفهوم الجهوية المتقدمة هو وليد تراكمات لسنوات عديدة من التجارب، مع انفتاح متواصل وسريع على التجارب المقارنة، في احترام لخصوصية البناء الجغرافي والمعاييير الاقتصادية في مختلف جهات المغرب، بالاعتماد على ما سماه "مقاربات ادماجية" تضمن تمايز كل جهة جغرافية ومدى قدرتها على تحقيق القيمة المضافة للجهة، وفي نفس الوقت للوطن ككلّ.

في الوقت نفسه اعتبر زميله د.عبد الرحيم منار السليمي المتخصص في الدراسات السياسية والدولية بجامعة الرباط، أن تقييم السياسات العمومية والتنمية الجهوية وطرحها للنقاش هو الذي حقق بالفعل ربطا بين الجامعة كمنارة علم ونظريات وبرامج واعداد وبين الواقع العملية باعتباره ميدانا لتجسيد هذه السياسات وتطبيقها وتحويلها الى نماذج تنموية جهوية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل جهة، وتراعي ظروف ساكنتها وقدراتهم ومدى استعدادهم للتكيف مع السياسات العمومية وتجسيم الخيارات التنموية ورهاناتها المستقبلية. 

وقال د.عبد الرحيم منار ان جمعية ابن خلدون للتنمية تتبنى دائما هذا النوع من النقاشات حول تقييم السياسات التنموية، والتي عادة ما تنبثق عنها ورقات عمل وتوصيات واستشارات يتم اعتمادها من قبل صانعي القرار في الدولة في رسم ملامح النماذج التنموية.

وهو ما أكده رئيس جمعية ابن خلدون د.أحمد بوجدار في مداخلته التي ركّز فيها على ضرورة دعم البحث العليم والربط بين الجامعة والمجتمع، وبين النظري الذي يُدرّس للطلبة في الجامعات وبين التنمية الحقيقية التي تُطبّق في الجهات.

وأوضح د.بوجدار أن رسم المخططات العامة للدولة لا يمكن ان يعطي ثماره الا اذا كان وليد تفكير مشترك ومن خلال لجان علمية متخصصة، تعد دراساتها وترفع توصياتها للهيئات المكلّفة بالانجاز، حتى يكون العمل متكاملا وحتى يكون النموذج ناجحا، وحتى نقدر على البناء على أسس سليمة واساسات متينة قوامها تنمية عادلة لكل الجهات ومراعاة للخصوصيات وكفاءة في تكييف الموارد واستغلال القُدرات الكامنة في كل منطقة.

ولئن أجمع المتدخلون على أن التنمية الجهوية، والنموذج الذي يراعي الخصوصيات، أو ما سمّوه "الجهوية المتقدمة" هي من نتائج تطبيقات دستور 2011 الذي رسّخ تقسيمات ترابية متوافقة ومتناسقة مع القيمة الحضارية والخصوصية الثقافية والانتاج الاقتصادي والمواد الوالية التي تتوفّر عليها كل جهة، حتى يتمكن المغرب من تحقيق الهدف الاسمى وهو التنمية الشاملة والعادلة على المستوى الوطني، والتقدم ولامركزية الاستثمار والانتاج على مستوى كل جهة، فإنهم أجمعوا أيضا على أن الرقابة الرسمية على عمل المجالس الجهوية، ومزيد الحماية للقائمين على الفعل التنموي والاقتصادي من خلال التشريعات والقوانين ومن خلال التساهل في الصلاحيات، في ظل التزام بالمصلحة العامة وسياسات الدولة، هي الركائز الأساسية التي يبني عليها المغرب مشاريعه التنموية التي ستؤدي قريبا إلى إنشاء أقطاب تنموية واستثمارية تقدر حتى على منافسة الأقطاب العالمية والتفوق عليه.

{if $pageType eq 1}{literal}