Menu

فتحي البلدي/ الطاهر بوبحري... المجموعتان الأمنيتان 1 و 2 : مسلسل اختراقات و دماء


  

 

سكوب أنفو – شهرزاد عكاشة

فتحي البلدي و الطاهر بوبحري ، اسمان طفوا على السطح منذ سنة 2013 ، اشتهرا باستقطاب الإطارات الأمنية العاملة في مناصب حساسة داخل المؤسسة الأمنية ، ليرتبط اسماهما، بعد تقدم أبحاث قضيتي اغتيال الشهيدين محمد البراهمي و شكري بلعيد،  بما عُرف بالجهاز السري لحركة النهضة  و الذي وجّهت لعدد من أعضاءه اتهامات بالاعتداء على أمن الدولة الداخلي و الخارجي الذي تصل عقوبته إلى السجن المؤبّد ، ليظهر الاسمان مؤخرا بعد التعيينات الأمنية الأخيرة و التي قال متابعون للشأن الأمني أنها على علاقة وطيدة بهما و هو ما يمكن ربطه بالتهديد الأخير للسيد رئيس الجمهورية قيس سعيد و الدي قال فيه أن بعض الأطراف تحاول التسلل  إلى عدد من الأسلاك الأمنية و أنهم لن ينجحوا.

لا يمكن لكلام السيد رئيس الجمهورية إلا أن لا يعيد إلى الاذهان سلسلة الاختراقات التي طالت المؤسسة الأمنية لمدة عشرة سنوات ، بل أبعد من ذلك بكثير ليعود العهد إلى زمن حكم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة  و عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

    

الجهاز السري يعوّض الجهاز العسكري

منذ تولي حركة النهضة للحكم، أصبحت وزارة الداخلية موضع تحكم من قبل قياداتها ، بل أشبه بمزرعة خاصة بها إبان عهد الترويكا و حتى عمليتي اغتيال الشهيدين بلعيد و البراهمي ، لتنكشف جريمة إخفاء الوثيقة الأمريكية المحذرة من اغتيال ثان في شهر جويلية 2013 أياما قبل وقوعه و هو ما جعل عملية الاختراق الكبيرة تنكشف و التي يبدو أنها لا زالت في تواصل.

عمليات المطالبة بتحييد وزارة الداخلية التي انطلقت منذ 2013عقب سقوط حكومتي الجبالي و العريض و المفاوضات التي زامنتها يبدو أنها لم تؤتى أكلها حتى و إن كانت الحركة الاخوانية قد التزمت بذلك إبان الحوار الوطني الذي انعقد حينئذ بإشراف الرباعي الراعي للحوار ، على اعتبار أن الاسمين المذكورين أعلاه ( فتحي البلدي / الطاهر بوبحري) لا زالا يتحكمان بعدد من الكوادر إلى اليوم، و هو ما دعّمه رئيس الجمهورية مؤخرا بتحذيره لأطراف لم يسمّها...

 الطاهر بوبحري / فتحي البلدي : من هما ؟؟

ما فتئ هذان الاسمان يطفوان عند كل تعيين أمني جديد طيلة عشر سنوات بما فيها التعيينات الأخيرة في وزارة الداخلية، إذ تم ربطهما و قبل ايحاء رئيس الجمهورية الأخير، عبر الشبكات الاجتماعية بإحدى التعيينات في أشد المناصب القيادية الأمنية حساسية، ليتم بعد ذلك الرجوع عبر الشبكات الاجتماعية إلى ما أعلنت عضو هيئة الدفاع عن الشهيدين إيمان قزارة عنه من أسماء لعدد من الأمنيين المقالين أو حتى المباشرين و على رأسهم:

 فتحي البلدي و هو ابن أخ القيادي في حركة الاتجاه الإسلامي سابقا/ النهضة حاليا الفاضل البلدي و كان عون أمن  قبل 2011 تم التفطن لانتمائه للجهاز السري لحركة من طرف النظام السبق مما أدى إلى عزله و حوكم بأكثر من 15 سنة سجنا من أجل الانتماء إلى تنظيم غير معترف به، و بعد 2011 تمت إعادة انتدابه في وزارة الداخلية و تمتيعه بكامل الامتيازات و  شغل منصب مستشار وزير الداخلية و قيادي حركة النهضة الاخوانية علي العريض في حكومة حمادي الجبالي، و لم يفارقه حتى عند ترؤسه لحكومة الترويكا الثانية و لكن بصفة غير رسمية و كان سببا في تعيين عدد من الأمنين الذين حُسبوا على أحد رجال الأعمال " النافذين" على غرار مدير الأمن الوطني حينها نبيل عبيد و المدير العام للأمن العمومي توفيق الديماسي و الذين وجهت لهما انتقادات كبيرة حينها بسبب فرار الإرهابي أبو عياض حينئذ من جامع الفتح، و رافق البلدي أغلب وزراء الداخلية حتى في الحكومة السابقة و كان يُستفتى من طرف راشد الغنوشي في التعيينات الأمنية و ولاءاتها و يتمتّع بتأثير على القيادات الأمنية المباشرة إلى اليوم بما أنه لا يزال مباشرا في وزارة الداخلية، كما تقول مصادر اخوانية أنه صديق حميم جدا لنجل رئيس حركة النهضة معاذ الغنوشي .

الطاهر بوبحري:  عضو مجلس شورى حركة النهضة الاخوانية و رئيس هيئة النظام العليا صلبها، عون سابق في الحرس الوطني، كان مشرفا على الجهاز العسكري لحركة النهضة رفقة قيادات أخرى ( الجهاز السري) ، ثم فرّ إلى فرنسا حيث حصل على اللجوء السياسي بعد ضلوعه فيما يعرف بقضية المجموعة الأمنية و التي تورط فيها حوالي 156 عنصرا من سلكي الحرس و الأمن الوطنيين.

و عن قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد، قال المحامي رضا الرداوي عضو هيئة الدفاع عن الشهيدين أن ' المتورطين في هذه القضية هم 16 طرفا بينهم أشخاص لهم علاقة مباشرة وغير مباشرة بحركة النهضة، على غرار "رضا الباروني" الذي شغل سابقا خطة مكلف بالشؤون الإدارية والمالية في المكتب التنفيذي للحركة خلال مؤتمرها التاسع سنة 2012، ثم عضوا للمكتب التنفيذي مكلفا بالتعبئة في مؤتمر 2016  و  "الطاهر بوبحري" الذي عينه وزير الداخلية السابق علي العريض مستشاره الخاص و كان مكلفا بانتداب الأمنيين في عهد حكومة الترويكا، و"كمال العيفي" الذي ترأس سابقا المركز الإسلامي بباريس و ذلك بمساعدة رجل الأعمال "فتحي دمق" في تكوين خلية مسلحة خططت لخطف واغتيال شخصيات إعلامية وسياسية.

و تجدر الإشارة إلى أنه بقدر تلازم الاسمين، بقدر ما كان التنافس يشتد بينهما أحيانا بحكم الشقوق التي صدّعت حركة النهضة منذ سنة 2015 ، إذ صار الاثنان يتنافسان على استقطاب أكبر ما يمكن من العناصر و القيادات الأمنية كل لفائدة شق معين ، أولهما شق الغنوشي – البحيري- الهاروني و ثانيهما شق عبد اللطيف المكي – عبد الحميد الجلاصي و بقية الغاضبين الذين يتصدرون المشهد اليوم معبرين عن استعدادهم للتضحية براشد الغنوشي زعيم الحركة و المالك لمفاتيح تمويلها مقابل أن يتم الإبقاء عليهم في مشهد ما بعد 25 جويلية.

إذا، فالجهاز السري لم يعد أمرا مخفيا كما كان في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، بل على العكس أصبح التقرب لعناصره مصدر فخر و قوة من طرف بعض القيادات الأمنية قبل 25 جويلية    2021 ، لتنسحب تلك المقربة منه و المؤتمرة بأوامره قبل شهر و نيف لحساب رجل الأعمال كمال اللطيّف و المعروف بدوره منذ جانفي 2011 بسطوته أيضا على وزارة الداخلية ، بعد أن تحالف مع حركة النهضة الاخوانية بعيد ثورة 2011 ليختلفا على تقسيم الغنيمة إلى حدود تاريخ اعلان الرئيس قيس سعيّد على تجميد أعمال البرلمان و قرارات أخرى لا زالت قيد التفعيل...

سنة 2014 كشف المنصف بن سالم، قيادي النهضة المتوفى و وزير التعليم العالي السابق في حكومة الترويكا 1 ، إ في وثيقة تاريخية و هي عبارة عن رسالة كان قد أرسلها للدكتور أحمد المناعي (مدیر و مؤسس المعھد التونسي للعلاقات الدولیة في فرنسا) سنة 203 " بن علي سرق جهدنا الانقلابي"  و ذلك في علاقة بمحاولة الانقلاب التي كانت حركة الاتجاه الإسلامي سابق (النهضة حاليا) قد خططت لتنفيذها في 08 نوفمبر 1987 . 

المجموعة الأمنية 1

بن سالم قال في  جزء من رسالته و بصفته قائد العملية حينها أن الحركة خططت  للإطاحة بالرئیس الراحل الحبیب بورقیبة من خلال جھازھا العسكري المعروف " المجموعة الأمنیة" عن الأسلحة التي أدخلتھا الحركة و الضباط الذین جندتھم و اختراقھا للمؤسسة الأمنیة و العسكریة... مضيفا أن " المجموعة تكونت بسرعة خیالیة وضمّت عددا من العسكریین من شتى الرتب ومن رجال الأمن بكل أصنافھم و من المدنیین، و وضعت المجموعة لنفسھا ھدفا واحدا ھو إزاحة بورقیبة و من سار في دربه في الحكم،  أما وسائلھا فھي سلمیة إلى أبعد حد ممكن و لذلك تم جلب 5000 مسدس غازي من الخارج قمنا بتجربتها على أنفسنا للتأكد من عدم إلحاق الضرر بالمستھدف، و كان دور المسدس ھو تحیید المستھدف لمدة نصف ساعة، أما وسائل الدفاع الأخرى من الأسلحة الناریة و الدبابات والطائرات العسكریة فتكون بید رجال المجموعة. و ما لم یكن ذلك یتم تحییده قبل بدء العملیة بساعات محسوبة و مدققة، اخترنا أن تكون العملیة أفقیة أي تعتمد على العنصر القاعدي أكثر منه على القیادات. كما خططنا لدمج المدد المدني في الساعة الثانیة و الثالثة من البدء.".

 

المنصف بن سالم  لم يكن وحده في هذا الجهاز،  بل كان يشاركه القيادة عدد من الشخصيات النهضوية التي انسحب أغلبها أو وقع طردها من الحركة، ليبقى الوجه الأبرز حاليا و هو السيد الفرجاني الذي كان يعرف بالاسم الحركي "الأمين" ، أما  من وقع التخلي عن خدماتهم ، فيعد صالح كركر أهمهم و الصحبي العمري (الحكيم)  أبرز المنفذين و كان قد قدم شهادته في مركز عبد الجليل التميمي للبحث العلمي و المعلومات، عارضا فيها تفاصيل التحاقه بالمجموعة الأمنية بعد خلاف له مع ابن الوزير السابق منصور السخيري في عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وكيف أن شقيقته المنتمية لحركة الاتجاه الإسلامي التي قام بتهريبها الى الجزائر كانت الوسيط بينه و بينه و بين حمادي الجبالي الذي طلب منه بدوره  تهريب فتحي معتوق الى الجزائر صحبة شقيقته.

و يقول د الصحبي العمري في شهادته " وقد اكتشفت فيما بعد أن هذا الشخص (معتوق) كان متورطا في تفجيرات نزل سوسة والمنستير في 02 أوت 1987 وكان مختفيا قرابة الشهرين بعد العملية الارهابية في بيت حامد القروي والد المنتمي للحركة نجيب القروي بسوسة، ثم تلى تلك العملية التوسط في تهريب عنصرين آخرين من قيادة حركة الاتجاه الاسلامي وهما محمد الشملي وعبد المجيد الميلي المتورطين أيضا في تفجيرات نزل سوسة والمنستير… وبعد هروب حمادي الجبالي وصالح كركر من تونس في باخرة الحبيب ، وهما متنكران في أزياء ضباط من الديوانة يوم 26 أكتوبر 1987 من ميناء حلق الوادي، بقيت بطاقة هويتي دون علمي لدى أحد قياديي حركة الإتجاه الإسلامي وهو زياد الدولاتلي  و التي تم العثور عليها عند مداهمة بيته في مرناق ، ليقع إيقافي في 22 نوفمبر1987 ضمن المجموعة الأمنية  التي كانت تخطط لمهاجمة السجون وإنقاذ قيادة الإتجاه الإسلامي آنذاك التي كانت تنتظر صدور تنفيذ 30 حكم اعدام إضافي في الطور الاستئنافي لمحكمة أمن الدولة يوم 17 نوفمبر 1987، إلا أن انقلاب بن علي أعاد خلط الأوراق وتم إطلاق سراح الآلاف من الموقوفين الإسلاميين سنة 1987 لتلاقي لاحقا المجموعة الأمنية التابعة لحركة الاتجاه الإسلامي، الجحود ونكران الجميل من طرف رئيس الحركة المنتفع مع رفاقه بإلغاء محكمة أمن الدولة وتعليق أحكامها ".

و عن نفس الفترة و عن ذات الجهاز الإسلامي الذي كان هدفه الإطاحة بالزعيم بورقيبة، كشف مؤسّس و مدير المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية أحمد المناعي  و المنتمي سابق للاتجاه الإسلامي قبل أن يغادره،سنة 2008  في تصريح إعلامي "بالنّسبة للتّنظيم الخاصّ أو التّنظيم السّريّ التّابع لحركة النّهضة أقدّر شخصيّا بداية تأسيسه في نهاية تسعينات القرن الماضي بتوجيه بعض الطّلبة الحاصلين على الباكالوريا والتّابعين للاتّجاه الإسلاميّ إلى الأكاديميّة العسكريّة التي تكوّن ضبّاط الجيش الشّرطة والحرس والدّيوانة في تكوين مشترك لمدّة سنتين وبعد ذلك يلتحقون بأسلاكهم .

هذا التّنظيم لم ينكشف إلاّ سنة 1987 بمناسبة المحاولة الانقلابية التي كانت معدة لـ8 نوفمبر من نفس السّنة، و كان المسؤول عن التّنظيم آنذاك هو المرحوم صالح كركر وبعد خروجه من البلاد تولى المنصف بن سالم مسؤوليته... وقد كتبت رسالة استوضحه الأمر فردّ عليّ في 26 مارس2003 شارحا تفاصيل العمليّة. كان التّنظيم يشتمل على حوالي 164 عنصرا بين عسكريّين وأمنيّين وأعوان ديوانة ومدنيين. منصف بن سالم نشر كتابا في 2014 حول الموضوع ولم يخرج للمكتبات".

 

و لأن الروايات تعددت حول هذه الفترة "السوداء" من تاريخ الحركة الإسلامية كان لزاما الاتصال بمن باشروا الملف، و قد قال أحد الضباط السابقين الذي باشر قضية الاسلاميين في جهاز أمن الدولة المنحلّ مباشرة بعد 14 جانفي لـ"سكوب أنفو" أن "حركة الاتجاه السلامي قد عملت في سبعينات القرن الماضي على اختراق الأجهزة الأمنية و العسكرية بإصرار و بتعليمات من راشد الغنوشي عبر الالتحاق بأكاديميات الجيش و الأمن الوطني و هو ما أدى الى تغلغل الإسلاميين في إدارات حساسة في وزارة الداخلية خاصة".

و لا يسعنا إلا أن نذكّر في هذا المجال بتصريح تلفزي أثار سخرية كبرى على مواقع التواصل الاجتماعي للنائب بالمجلس التأسيسي عن الحركة الإخوانية  الصحبي عتيق ، مفاده أن "ملائكة " كانت قد فتحت أغلاله حين كان ينتظر لقاء مدير الامن السابق محمد علي القنزوعي ، في حين أن تلك "الملائكة" لم تكن الا عبد الله غريس الذي  لعب دورا حاسما في أمن الجماعة و مدها بالتقارير الأمنية و تحركات الشرطة من خلال موقعه كضابط أمن في "المصالح المختصة" (جهاز المخابرات) إضافة إلى عناصر أخرى تمكنت من التموقع في مناصب حساسة  كإبراهيم العمري الضابط في سلاح الطيران وسيد الفرجاني في الاستعلامات العسكرية، وعبد السلام الخماري في جيش البر، و عمل هؤلاء على استقطاب عناصر جديدة للجهاز من زملائهم خاصة اولئك الذين تظهر عليهم علامات الالتزام الديني، إضافة الى دور الصادق شورو القيادي في الجماعة، و الذي كان آنئذ أستاذا لمادة الكيمياء في الأكاديمية العسكرية بفندق الجديد و كان له تأثير كبير على عدد من طلبته.

هكذا إذا استطاع التنظيم الاخواني التغلغل داخل ثكنات الجيش من خلال عشرات العناصر المجندة كأحمد الحجري و سامي الغربي و صالح العابدي و ابراهيم العموري و عبد الله الحريزي و الازهر خليفة و بفضل نشاطهم ستكون داخل مساجد الثكنات مكتبات مؤلفة من كتب سيد قطب و فتحي يكن و سعيد حواء و يوسف القرضاوي و محمد الغزالي .

المجموعة الأمنية 2

بعد خروج القيادة من السجن و هروب شق المهجر إلى أوروبا ، مضت حركة النهضة في قرار لا رجعة فيه و هو ضرورة قلب النظام بالقوة ،رغم إمضاء نور الدين البحيري سنة 1987 على الميثاق الوطني الذي انقلبت عليه الحركة و اتهمت النظام حينها بتزوير نتائج انتخابات 1989  و التي لم يتحصل فيها التيار الإسلامي بشقيه الرسمي ممثلاً في النهضة وفي التشكيلات المتفرقة الأخرى سوى على 17% من الأصوات حسب المراقبين الأجانب ، في حين ادّعت النهضة  آنذاك أنها حصلت على 50 بالمائة من الأصوات ، لتسجل تلك الفترة بداية ظهور مناشير قادمة من لندن تحرّض على ما يسمى بتحرير المبادرة .

و على ضوء  ذلك القرار،  مضى الجهاز العسكري في التحضير لخطة انقلاب عسكري ينفذه أعضاء الجهاز المزروعين داخل المؤسستين الأمنية و العسكرية و تساعدهم فيه  قيادة مدنية من الجهاز السياسي لتتشكل ما عرف آنذاك بـ"المجموعة الأمنية  الثانية"... و يأتي تصريح الضابط السابق المذكور أعلاه  ليؤكد أن المجموعة االتي اخترقت عديد الأسلاك الأمنية على غرار الحرس الوطني والشرطة وجهاز المخابرات والجيش الوطني عبر 156 عنصرا، انطلقت في إعادة  التشكل منذ نهاية الثمانينات،  ليبدأ استنفار التنظيم لمحاولة تغيير النظام عبر عملية انقلاب ثانية بعد فشل الأولى و تورطت فيها مجموعة "براكة الساحل" و سمّيت بـ"المجموعة الأمنية 2" .

و عند تفطنه للمخطط الانقلابي للحركة أوائل التسعينات و حسب الكاتب الصحفي أحمد نظيف ، بدأ نظام بن علي في شن حملة اعتقالات طالت بعض قيادات حركة النهضة ، خاصة بعد اكتشاف اختراق ثان للمؤسسة العسكرية و الامنية من قبل ما يسمى مجموعة حبيب الاسود التي "لم تثبت" علاقتها الرسمية بالحركة و هو ما يعني أن النظام الحاكم حينها قد قرّر المضي في سياسة التعاطي الأمني كمقاربة لحسم المعركة مع إسلامي النهضة التي كانت تعيش ارتباكا سياسيا  بعد فرار أبرز قياداتها إلى الخارج و تأكد، في مجلس شوراها المنعقد اوائل ديسمبر 1990 و مكتبها التنفيذي الذي كان يرأسه الصادق شورو حينها،  قرار المواجهة مع النظام في اطار ما يسمى انذاك "معركة فرض الحريات" مع تبني سياسة تحرير المبادرة( اعلان الجهاد) التي تعطي لأعضاء الحركة حرية اتخاذ اشكال المواجهة و تنفيذها بالتنسيق مع القيادات الوسطى و دون العودة الى القيادات التنفيذية الاولى التي كانت قد بدأت في الدخول في السرية .

إحدى نتائج سياسة تحرير المبادرة كانت عملية باب سويقة التي تمثلت في حرق إحدى شعب الحزب الحاكم آنذاك مما أدى إلى مقتل حارسيها داخلها.

 

المجموعتان الأمنيتان و الجهاد المسلّح

بدأت عمليات ما يسمى بالجهاد المسلح في تونس بعد تفجيري فندقين في سوسة و المنستير و يعتبر المؤرخون أن العمليتين كانتا تعتبران الشكل البدائي للتفجيرات و قد تورط فيهما منتمون إلى الاتجاه الإسلامي / النهضة كمحرز بودقة الذي قام راشد الغنوشي بتأبينه في مدينة جمال بولاية المنستير و تعتبره حركة النهضة شهيدا بدليل ورود اسمه في باب "شهداء الحركة" على موقعها الرسمي على شبكة الانترنت .

و رغم نفيها لتاريخها "الجهادي" ، فقد فضح القيادي بتنظيم القاعدة أبو مصعب السوري ، وأحد أعضاء الطلیعة المقاتلة لجماعة الإخوان المسلمین في سوریا في السبعینات من القرن الماضي،  العلاقة بين التيارات الجهادية و حركة النهضة ، إذ كشف في شهادة له في كتابه "المقاومة الإسلامیة العالمیة" أنه التقى على حد قوله ضباطا في الجیش التونسي والمنتمین إلى حركة الاتجاه الإسلامي خططوا للقیام بتكوین جھاز عسكري سري من أجل الإعداد للانقلاب عسكري ..

و قال القيادي بتنظيم القاعدة  متحدثا عن النهضة "كان للحركة تصورا طموحا یھدف إلى تأسیس الكوادر والھیاكل التنظیمیة لتنظیر یطمح إلى إسقاط نظام حكم ووراثته على كافة الصعد ولذلك كان للحركة برنامجھا في شتى المجالات السیاسیة والتربویة والاقتصادیة والإعلامیة ...وكان من بین تلك الأجھزة التي أنشأتھا الجھاز العسكري للحركة.... قام مخطط الجھاز العسكري أساسا على زرع عدد من الضباط المتطوعین في الجیش التونسي في أقسامه الثلاثة البریة والجویة والبحریة" و يواصل أبو مصعب السوري قوله "ثم مضى التنظیم على مدى نحو عشر سنوات وفق مخططه الذي كان یقوم على فكرة الانقلاب العسكري أساسا للإطاحة بالسلطة... ووفق ما رواه أحد أصدقائي من الضباط الذین أشرفوا على الإعداد للانقلاب،  فقد كان البرنامج محكما وطموحا واستطاع أن یقیم الصلاة بدول مجاورة وینسق برنامجه  على مستوى عالي وبحسب الرواة ذوي العلاقة فقد أدى الضعف والتردد لدى أستاذ جامعي من القسم المدني في التنظیم والذي كان على صلة مع قیادة الضباط الانقلابیین إلى كشف المحاولة قبیل تنفیذھا بوقت وجیز فسارع وزیر الداخلیة في حینھا وھو زین العابدین بن علي إلى انقلاب سریع أبیض بالتعاون مع إدارة أجھزة الأمن وبعض أركان النظام من السیاسیین.... وقد أشتمل الاتجاه الإسلامي في تونس على محاور فكریة متعددة كان بعضھا دعوى ویعضھا سیاسي وبعضھا جھادي مثله الشیخ الدكتور صالح كركر وقبض على الشیخ كركر في فرنسا والزمه الإقامة الجبریة" .

و علاوة على المحاولة الانقلابية  ، فقد اعتبر المؤرخون ، تحرير المبادرة الذي كان وراء عملية باب سويقة  يتنزل في إطار الجهاد الإسلامي ضد "النظام العلماني الكافر" قبل أن يتقرّر التحاق شباب الاتجاه الإسلامي بالتنظيمات الجهادية على غرار الملازم بالجیش التونسي كیلاني الشواشي و العضو السابق بالاتجاه الإسلامي الحبیب الضاوي، ليظھر أواخر الثمانینات تنظیم بقیادة العضو السابق في حركة النھضة الحبیب لسود أطلق على نفسه اسم  "طلائع الفدى" و تم القضاء علیه أثناء الضربة الأمنیة للنظام  بدایة التسعینات، ممّا جعل عددا من الشباب التونسي  يلتحق بأفغانستان وكان لهم باع في الصراع ضد السوفيات هناك استمر حتي التسعينات وظهور طالبان والقاعدة  و ذلك سنوات قبل استعادة  التيار الجهادي" في تونس بريقه بعد 2011 عبر تنظيم أنصار الشريعة الذي كان عدد من قياديي اللنهضة أبرز نجومه في مؤتمره الأول سنة 2011 .

إذا، من المجموعة الأمنية 1 إلى المجموعة الأمنية 2 و محاولة الانقلاب ثم اعلان الجهاد عبر ما سمّي بتحرير المبادرة ، نصل إلى الاغتيالات السياسية في تواصل لمسلسل اختراق أهم وزارات السيادة عبر أسماء ترتبط أساسا بحركة النهضة الإخوانية و بواسطة مجموعة يوصفون بأقل ما يمكن قوله أنهم انتهازيون مقنعون بالأزياء الرسمية و الرتب و النياشين و الأوسمة .

 

لهؤلاء نستذكر قصيدة محمود درويش :  

سقط القناع عن القناع

عن القناع سقط القناع

 قد أخسر الدنيا..

 نعم لكني أقول الآن..

لا هي آخر الطلقات.

 لا حاصر حصارك لا مفر..

 اضرب عدوك لا مفر..

 سقطت ذراعك فالتقطها

وسقطت قربك فالتقطني

واضرب عدوك بي فأنت الآن حرٌ وحرٌ وحرٌ

 قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة فاضرب بها,

 اضرب بها عدوك

 أنت الآن حرٌ وحرٌ وحرٌ

{if $pageType eq 1}{literal}