Menu

بعد حادثة سيدي حسين ... نتلو الفاتحة على حقوق الإنسان والكرامة البشرية


 

سكوب أنفو-رحمة خميسي

يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدة له "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، لكن على هذه الأرض التي لم نخترها وأقنعونا باطلا أنّها وطن يتّسع لنا جميعا على اختلاف أفكارنا مواقفنا ألواننا أدياننا، لا شيء يستحق الحياة بل كلّ الظروف ملائمة للموت قتلا دهسا تعذيبا سحلا غرقا يأسا، على هذه الأرض تحوّلت المقاومة التي ارتبطت غالبا في الأذهان بالحروب والاحتلال أو الجوانب السياسية المتعلّقة بالحكم والحق في تقرير المصير والسيادة، إلى فعل يطبع حياتنا اليومية، فالكفاح من أجل عيش يوم إضافي دون سحلك في الطريق العام والنيل من كرامتك عبر تجريدك من ملابسك والتلّذذ بتعذيبك إشباعا لعقد غيرك النفسية وإهانتك والحطّ من إنسانيتك، مقاومة، حتّى أنّ العيش على هذه الأرض بات مقترنا بإحساس العجز والسخط واليأس والنقمة ولعنة القدوم لهذه الحياة من الأساس، الذي اختزله الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور في تساؤل واحد وهو "ألن يمتلك الإنسان من الشفقة ما يكفي لإعفاء الجيل المقبل قسوة الوجود، أو على الأقل ألا يقوم بنفسه بدمٍ بارد بفرض عبء الوجود على أفراد جدد؟".

يكفي أنّ تتقاسم هذه الرّقعة مع أشخاص فاقدين للإنسانية، حتىّ يقع تجريدك من ملابسك في الطريق العام وسحلك وتعذيبك على مرأى ومسمع الجميع، يكفي أنّ تكون قليل الحيلة والوسيلة حتى ينّكل بك ويقع النيّل من كرامتك وإنسانيتك، يكفي قدومك للحياة حتّى تعيش مسكونا بعقدة الانتماء لهذا الوطن الذي لم يبخل على قتل شبابه وإبادة أحلامهم وآمالهم، سلاحهم الوحيد في المقاومة والكفاح والاستمرار.

أن تعيش على هامش سياسات الدولة وخارج حسابات حكّامها وأن تسقط من خرائط التنمية والتعليم والصحة والخدمات الأساسية، أبدا لن يجعلك في مأمن ومنأى عن وحشيتها وعنفها واستبدادها وجورها، بل على العكس تماما ذلك سيحوّلك إلى كيس ملاكمة يفرغ فيه أعوانها حيوانيتهم وعقدهم وتتحوّل إلى مجال لتضخم أنّاهم المريضة، وهو ما حدث تماما مع الطّفل أصيل منطقة سيدي حسين السيجومي الذي تعرّض للضرب والسحل بعد نزع ملابسه على الملأ من قبل أعوان الأمن بالمنطقة المذكورة، في مشهد انتحرت فيه حقوق الإنسان لفضاعته وبشاعته، وتعطّل معه العقل البشري عند محاولة فهم واستيعاب الرواية التي قدّمتها وزارة الداخلية -رغم دقّة التفاصيل الموجودة في مقطع الفيديو الذي يوّثق الاعتداء- التي أكدّت أنّه جرّد نفسه بنفسه من ملابسه على خلفية حالة السكر والهيجان التي كان فيها، وأنّ أعوان الأمن حاولوا فقط السيطرة عليه وإقناعه بارتداء ملابسه.

الطّفل المعتدى عليه والبالغ من العمر خمسة عشرة سنة فقط، تحدّث اليوم في تصريح إعلامي لموقع أخر خبر أون لاين، عن تفاصيل الاعتداء الذي تعرّض إليه من قبل أعوان الأمن، نافيا استهلاكه لأيّ مواد مخدّرة كما ورد في رواية وزارة الداخلية.

الطفل أكدّ في تصريحه، أنّ بعد محاولته الاختباء من عبوات الغاز المسيل للدموع التي تقذفها القوات الأمنية على المحتجين بمنطقة سيدي حسين على خلفية وفاة الشاب 'أحمد' في ظروف مسترابة داخل مركز أمني، اعترضت طريق عودته سيّارات أمنية نزل منها خمسة أعوان قاموا بتعريته ونزع ملابسه والاعتداء عليه بالضرب ثم سحله واقتياده إلى السيّارة الأمنية أين استمروا في تعنيفه وهرسلته، حتّى الوصول إلى مركز الأمن أين تمّت مواجهته بتهمة إثارة الشغب واستهلاك مواد مخدّرة والتفوّه بألفاظ نابية، رغم نفيه لذلك، وفق قوله.

بعد هذه الحادثة نتلو الفاتحة على ما تبّقى من حقوق الانسان والكرامة البشرية، ونفقد الأمل في حياة دينها الإنسانية ومحورها الإنسان.

 

{if $pageType eq 1}{literal}