Menu

قرارات المجلس الأعلى للقضاء: "خاوية على عروشها"


 

 

سكوب أنفو-رحمة خميسي

"إيمانا منه بقواعد ومبادئ الحوكمة الرشيدة القائمة على أساس احترام سيادة القانون والمساءلة والشفافية ومبادئ الإدارة السليمة للشأن القضائي، وصونا للنزاهة والاستقلالية وتعزيز ثقافة نبذ الجريمة مهما كان شكلها ونوعها ومأتاها وتعزيز ثقة المواطن في السلطة القضائية"، بهذه الديباجة الموغلة في قيم النزاهة والشفافية والحياد، والكلمات التي تفيض مبالغة ومغالطة غلّف مجلس القضاء العدلي قراراته الصادرة عن جلسة عقدها يوم الثلاثاء الفارط، للنظر في تقرير التفقدية العامة بوزارة العدل بشأن ملّفات الرئيس الأول لمحكمة التعقيب الطيب راشد ووكيل الجمهورية السابق البشير العكرمي، وما نسب إليهما من اتّهامات، جبل اجتماع المجلس تمخض يوم أمس وأنجب فأرا عفوا بيانا ذُّيل بقرارين اثنين وهما إحالة مجموعة من القضاة على مجلس التأديب، وإحالة الشبهات المتعلقة بغير القضاة الواردة بالتقرير على النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية بتونس تطبيقا لأحكام الفصل 29 من مجلة الإجراءات الجزائية.

الانتظارات والآمال التي شيّدت على رأس المجلس الأعلى للقضاء، تحطمّت بعد البيان الذي وُصف بالهزيل، والاكتفاء بإحالة القضاة المعنيين وهما الطيب راشد والبشير العكرمي والقضاة الأخرين على مجلس التأديب، عكس ما كان ينتظره البعض من إزاحة للطيب راشد من منصبه على رأس محكمة التعقيب، وإحالة ملّفات المتوّرطين إلى النيابة العمومية مباشرة، خاصّة وأن التهم والإدانة ثابتة وفق تسريبات من تقرير التفقدية العامة، وأيضا بالنّظر لخطورة الجرائم المتعلّقة بهم، وما كان سينجر عن ذلك من تبعات وأثار على المنظومة القضائية من جهة، وعلى المشهد السياسي من جهة ثانية، لكن يبدو أنّ كفّة العصبية القطاعية والتّنصل من المسؤولية وتّستر الجهاز على أبنائه هي التي رُجّحت.  

يقول الماغوط، "لا يمكنك أن تصيب أي هدف ويدك ترجف"، هكذا هو القضاء لا يمكن أبدا أن يثبت استقلاليته ونزاهته وانحيازه للعدل والانصاف والحقّ فقط، دون أن يتحرّر من قبضة التدّخلات السياسية ونفوذ لوبيات المال والتوظيف والضغوطات مهما كان مأتاها، والتي ظهرت بطريقة لا تدع للشكّ مجالا في قرارات المجلس المتعلّقة بمصير القاضيين، حيث وُّجهت اتهامات بتدّخل السلطة التنفيذية وأطراف سياسية لها علاقة بالملّفات موضوع تقرير التفقدية، في مجريات القرارات وطبيعتها.

وفي سياق التدّخل في قرارات المجلس، أفاد القيادي والنائب عن حركة الشعب كمال الحبيب، في حديث لسكوب أنفو، اليوم، بأنه كان من المنتظر ومن المفترض على مجلس القضاء العدلي إحالة القضاة على النيابة العمومية لا مجلس التأديب، معتبرا أن ذلك من شأنه أن يؤكد أن ضغوطات مورست من الأطراف المستفيدة من عدم إحالة ملفات القضاة المعنيين، على النيابة العمومية، وهم البشير العكرمي المتعلقة به ملفات إرهاب واغتيالات وتلاعب بمسار قضائي لبعض القضايا وتوجيهها، والعنصر الأساسي في تجميد بعضها، والتعامل مع الملفات وفق أجندة سياسية خاصة به، ومن جهة أخرى الطيب راشد الذي تربطه علاقة بلوبيات مال وفساد، لديها ملفات فساد مع الدولة، أصدر فيها أحكاما لصالح اللوبيات وضدّ الدولة، بالتالي استفادت هذه الـأطراف من عدم إحالة ملفاتهم، وكان القرار بعدم سماع الدعوى، على حدّ تعبيره.

وأكدّ الحبيب، أن هناك تدّخل وضغط من السلطة التنفيذية لا شكّ فيه، ومن أطراف سياسية على علاقة بالمتورطين، مشيرا إلى البشير العكرمي الذي جمّد وغلق ملّفات لصالح حركة النهضة، ومساعدتها على الإفلات من العقاب، ذات الشيء قام به الطيب راشد مع رجال أعمال 'فاسدين' من أجل توفير الحماية لهم وعدم محاسبتهم، معتبرا أنها شبكة مصالح كاملة مستفيدة من عدم الإحالة على النيابة العمومية أو إعفاء رئيس محكمة التعقيب من مهامه، وفق تعبيره.

وفي ذات الصدّد، أوردت صحيفة الشارع المغاربي نقلا عن مصادر لها، أنّ الاجتماع الذي تواصل لساعات شهد نقاشات حادة وكان تحت متابعة من أطراف مُتعددة منها كبار مسؤولي الدولة، الذين قد يكونوا حاولوا التأثير في مسار الاجتماع، الذي كان من المنتظر أن يصدر عنه قرار بإعلان الشغور على رأس محكمة التعقيب، استنادا إلى ملف تضمن شبهات فساد مالي لرئيسها الطيب راشد، الذي رفعت عنه الحصانة القضائية وتم تجميد عضويته في المجلس المذكور، لكن مشروع هذا القرار طرح في شكل اقتراح ولم يحظ خلال التصويت الاّ بصوتين اثنين فقط من مجموع 13 صوت، حتّى أنّ أعضاء من المجلس محسوبين على حركة النهضة لم يصوتوا لفائدة هذا الاقتراح مما أثار الاستغراب، وفق الصحيفة.

وأوردت الشارع المغاربي أيضا، أنّ "المقترح الآخر الذي مُرّر للتصويت، هو إحالة كل الملفات الواردة على المجلس إلى النيابة العمومية وفق مقتضيات الفصل 29 من مجلة الاجراءات الجزائية، بما فيها ملفات القضاة وغير القضاة، وهو اقتراح لم يحظ الا بتصويت 5 من مجموع 13 عضوا بالمجلس العدلي، وسقط أيضا".

سقوط المقترحين المذكورين، وبقاء الطيب راشد على رأس محكمة التعقيب ورفض إحالة الملفات على النيابة العمومية، يرّجح بنسبة كبيرة حصول صفقة بين الشقّ الموالي للطيب راشد والأخر للبشير العكرمي، في إطار مصلحة وحماية متبادلة للطرفين، والاكتفاء بالإحالة على مجلس التأديب في محاولة للالتفاف عن الملّفات وقبرها، وتستمر بذلك سياسة الإفلات من العقاب والمحاسبة بفضل القضاء 'المستقل والنزيه'، وتقويض الفرصة الأخيرة للمنظومة القضائية في إثبات استقلاليتها وانطلاقها فعليا في عملية الإصلاح، والتبرأ من القضاة 'الفاسدين'، وإعادة الثقة للمواطنين في قضاء عادل مستقل ونزيه.

وفي ذات الإطار، اعتبر النائب كمال الحبيب، استثناء القضاة من الإحالة على النيابة، وإحالة غير القضاة فقط، تمييز وتستر باسم العصبية القطاعية، مبيّنا أن ذلك نسف الاعتقاد بأن عملية تطهير القضاء من الداخل ستنطلق بعد قرارات مجلس القضاء العدلي، وأنه سيختار التوّجه في طريق النزاهة والحياد وأن تستعيد الدولة حقوقها من 'الفاسدين'، لكن القضاة فوّتوا على أنفسهم فرصة الإصلاح وإرساء قضاء نزيه وعادل لا يخضع للضغوطات والابتزاز السياسي، والخروج في ثوب جديد يستعيد معه المواطن ثقته في السلطة القضائية، لكن بعد القرارات المعلن عنها أثبتوا العكس، على حدّ تعبيره.

  

{if $pageType eq 1}{literal}