Menu

النظر في قضية راشد والعكرمي... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم


 

 

سكوب أنفو-رحمة خميسي

تتوّجه الأنظار وتتعلّق الآمال، بالجلسة التي سيعقدها المجلس الأعلى للقضاء اليوم الثلاثاء، وما سيتبعها من قرارات وإجراءات يسوّق لها على أنّها ستشكّل منعرجا حاسما في إثبات السلطة القضائية لاستقلاليتها- بعد الخروقات والتجاوزات والتدّخلات السياسية المفضوحة أحيانا في مسار بعض الملّفات والقضايا، والحديث عن وجود شبكات من القضاة موالية لبعض الأحزاب السياسية تتلّقى منها الدعم والحماية السياسية، مقابل ضمان افلاتها من العقاب والمحاسبة- خاصّة فيما يعرف بقضية الرئيس الأوّل لمحكمة التعقيب الطيب راشد ووكيل الجمهورية السابق البشير العكرمي، بعد التّهم المنسوبة لكلاهما بشأن شبهات جرائم فساد مالي وقضايا إرهاب والاغتيالات السياسية للشهيدين بلعيد والبراهمي...

ضغوطات كثيرة مورست وتمارس على المجلس الأعلى للقضاء المكلّف بالنظر في ملّف القاضيين المذكورين، والذي تلّقى منذ شهر فيفري الفارط تقرير التفقدية العامة لوزارة العدل التي توّلت البحث في فحوى التسريبات والتّهم المتبادلة بين الطيّب راشد والبشير العكرمي، والتي كانت أعمالها قد توّصلت وفق ما نشرته صحيفة الشارع المغاربي في عدد سابق لها، إلى إدانة واضحة للطيب راشد والبشير العكرمي في التّهم المنسوبة إليهما، كما تضمنّت أعمال التقصّي إدانات بالفساد على عدة مستويات سياسي وقضائي ومالي، والكشف عن أخطبوط للقضاة وشبكات مرتبطة بالطرفين راشد والعكرمي، ما أدّى بحسب ذات المصدر إلى انقسام صلب مجلس القضاء العدلي في هذا الملّف، وتعزيز المخاوف من قبر الملّف أو غلقه لصالح أحد الطرفين في إطار صفقة مشبوهة أو بتدّخل جهات سياسية نافذة، لكن يبدو أن هذه المخاوف في طريقها نحو التبدّد بعد ما رافق الإعلان عن انعقاد جلسة للمجلس الأعلى للقضاء اليوم، من آمال ومعطيات عن إمكانية اتّخاذها لقرارات وُصفت بالمصيرية في علاقة بملّفات القاضيين المذكورين ومن ورائهما شبكة من القضاة الأخرين، ستكون بمثابة الشرّارة الأولى في الثورة القضائية وإصلاح هذه المنظومة بعد الفساد والتوظيف السياسي الذي طالها على امتداد عقود.

ملّف الطيب راشد والعكرمي ليس الملّف الأكثر خطورة أو النقطة السوداء الوحيدة في صفحة الجهاز القضائي، لكنّ أهميته تكمن في رمزيته وفي المفارقة التي يقوم عليها، حيث أنّ الشخص الذي يأوي إليه المواطن في دولة المؤسسات ليضمن له حقوقه ويحفظ له كرامته ويعزّز شعوره بالطمأنينة أنه في دولة الحقّ والعدل، وحيث أنّ المؤسسة التي تقوم عليها الدول الديمقراطية والحديثة وتؤسس عبرها لقيم العدل والمساواة والحقّ والاستقلالية، أركانها ودعائمها (القضاة) موّرطون في قضايا فساد مالي وإداري وتوظيف سياسي لملفات في علاقة بالإرهاب والاغتيالات وغيرها، وفي هذه الحالة يمكن الانتهاء إلى القول بأن فساد القضاء من شأنه أن يؤدي ضرورة إلى انتفاء العدل وانتشار الظلم المؤذن بخراب العمران، والعائد على الدولة بالفساد والانتقاض، والمفضي بنهايتها كما قال العلاّمة ابن خلدون في كتابه المقدّمة مقدّمة كتاب( العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، وهو أيضا ما يفسّر الاهتمام البالغ بهذه القضية ومآلها الذي من شأنه إمّا أن يؤكد أنّ العدل حقّا أساس العمران، أو أنّ الظلم حقّا مؤذن بخراب العمران.

 

 

 

قضيّة الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ووكيل الجمهورية السابق، ستكون الحجارة الأولى التي ستسقط من الحصن الذي يلّف السلطة القضائية بمختلف أجهزتها، والتي لم تتجرأ يد المصلحين على أن تطالها، لذلك فإنّ الآمال اليوم كبيرة والأحلام بقضاء مستقل مضاعفة، خاصّة بالنسبة للمجلس الأعلى للقضاء ومدى قدرته على انتهاز هذه الفرصة لصالحه وإثبات أنّ القضاء فعلا مستقلا ولا سلطان عليه غير القانون، ومحاولة ترقيع هيبة وصورة القضاة التي تلوّثت في الأذهان بعد التجاوزات وشبهات الجرائم المتعلّقة بذّمة عدد من القضاة، والتدّخل السّافر للسلطة السياسية في سير ومآل بعض القضايا، وخضوع ملّفات بعينها للابتزاز والمقايضة والتلاّعب، كما هو الحال في قضية الاغتيالات السياسية للشهيد شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وثبوت تلاعب وكيل الجمهورية السابق البشير العكرمي بمآلتها وفق ما ورد بمراسلة الرئيس الأول لمحكمة التعقيب الطيب راشد إلى وزير العدل والتفقدية العامة بالوزارة.

رهانات جلسة المجلس الأعلى للقضاء اليوم، وما سيتمّخض عنها من قرارات وإجراءات، كبيرة، على اعتبار أن هذه القضية لا تهم الطيب راشد والعكرمي في شخصيهما فقط بل إنّ سقوطهما يعني تفكّك أخطبوط من القضاة ورجال الاعمال وسياسيين وشبكات نافذة أحكمت قبضتها على مرّ سنوات على الجهاز القضائي وتحكمّت في مصير عدد من القضايا فضلا عن إخضاع بعضها لعمليات ابتزاز وتلاعب وتوظيف وحسابات سياسية، وسقوطها لن يصلح حال القضاء فقط بل حال المنظومة السياسية بأكملها لأن فساد القضاء من فساد المنظومة السياسية التي تبحث دائما عن قضاء فاسد لتغطية فسادها وضمان حمايتها ومصالحها، وأيضا من شأنه أن يعيد ترتيب التوازنات السياسية في البلاد، نظرا لارتباط أحد القاضيين  بحزب سياسي موّرط في قضية الاغتيالات السياسية وفق ما أكدّته هيئة الدفاع عن الشهيدين، وأيضا بالنظر لإحكام الجهة السياسية المذكورة لسطوتها على جزء من القضاء زمن إشراف أحد قياديها على وزارة العدل وتكوين شبكة من القضاة الموالين لحزبه، وتفكّك هذه الشبكة يعني نهايتها وتآكل نفوذها.  

 

 

{if $pageType eq 1}{literal}