Menu

تونس والرئاسات الثلاث... الطيب والشرس والقبيح


 

سكوب أنفو-رحمة خميسي

لا تزال حرب كسر العظام بين الرئاسات الثلاث مستمّرة، قطيعة وتعنّت ومناورات بين رؤوس السلطة، تراجع في الترقيم السيادي لتونس مع آفاق سلبية وخطوات قليلة عن إعلان الإفلاس، غضب واحتجاجات شعبية وتفاقم الشعور بالقهر والغبن وإيقافات تعسفيّة وعشوائية وانتهاك لحقوق الإنسان، أزمة ضارية تعيش على وقعها تونس منذ أشهر، يقف فيها المواطن التونسي المسحوق اقتصاديا واجتماعيا بطبعه متأملا من سيسقط الأوّل، لكن يبدو أنّ هذه الدولة التي ليس في جعبتها غير انتقال ديمقراطي متعثّر وحرية في طريقها للمصادرة وعدالة اجتماعية نسمع عنها ولا نرى لها أثرا، هي التي ستسقط أوّلا مخلّفة دمارا اقتصاديا وخرابا اجتماعيا وإفلاسا سياسيا وقيميا على رؤوس حكّامها، ممّن تلذّذوا خاصّة في استنزاف موارد هذه الدولة وتدمير اقتصادها وإفلاس مؤسساتها وإغراقها بالمديونية واستباحة سيادتها الوطنية، والاستمتاع بمشاهدة آمال وطموحات شبابها وهي تنهار، والرّقص على جثث أمواتها في البحار والسجون والبالوعات والطرقات...  

الانسداد السياسي لايزال متواصلا ولا أحد يعرف نهايته لصالح من ستؤول، هل ستكون لفائدة رئيس الجمهورية المتمّسك برفضه للتحوير الوزاري الأخير برّمته، معلّلا ذلك بأنه مخالف لأحكام الدستور، وأيضا رفضه قبول أداء اليمين الدستورية للوزراء المقترحين، بسبب شبهات فساد تلاحق بعضهم، رفض يريد رئيس الجمهورية من وراءه استقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي من منصبه، وليّ ذراع رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، بعد ارتماء المشيشي في أحضانه وإعلان ولاءه المطلق له، حتّى أنه تخلّى عن الوزراء المحسوبين على رئيس الجمهورية والمعروف بانسجام العمل معهم، لاسيّما وزير الداخلية توفيق شرف الدين، الذي أقاله المشيشي إرضاء لحزامه السياسي، لكنّه أعلن عبره الحرب رسميّا مع رئيس الدولة، والمضّي في استفزازه بالتظاهر بعدم معرفته لسبب رفضه قبول أداء اليمين للوزراء، فضلا عن تشبّثه بمنصبه ومحاولة دحض فرضية استقالته من عقل سعيّد، بمباركة ومساعدة من حزامه السياسي أساسا حركة النهضة، التي لا يعلم وأنها فقط تناور ببقائه على رأس الحكومة، لتحسين شروط التفاوض وإيجاد مخرج آمن لها من هذه الأزمة التي تحمل في طيّاتها نهاية هذه الحركة على المستوى المحلّي والإقليمي وبداية تآكلها وتفكّكها داخليا، وأنّها حين تهتدي إلى البديل أو تتوّصل إلى صفقة تكون فيها المنتصرة ستقذف به خارج حساباتها.

  حركة النهضة التي تتغذّى فقط من التفاهمات خلف الأعين ومن الصفقات تحت الطاولات، من المستبعد أن تجد مرادها لدى رئيس الجمهورية الذي أبعد ما يكون عن إبرام صفقة معها في إطار الخروج من هذه الأزمة أو إيجاد حلّ مشترك يذيب جليد القطيعة بينهما، خاصّة وأنّه فتح النّار عليها وعلى رئيسها في كلّ ظهور له، وفي كلّ كلمة ألقاها إلاّ ونسف معها أي محاولة للتّفاهم مع الحركة أو حتّى الالتقاء مع رئيسها تحت سقف واحد للحوار، وهو ما يؤكده رفضه للمراسلة التي كان قد توّجه له بها رئيس البرلمان لطلب عقد جلسة بينهما للبحث عن حلّ للأزمة الرّاهنة، وأيضا بناء على ما ورد على لسان الأمين العام لاتحاد الشغل بقوله إنّه وفق ما بلغه من إشارات فإن رئيس الجمهورية يشترط استقالة المشيشي للانطلاق في الحوار الوطني الذي طرحه الاتحاد، موقف يمكن الاستشفاف منه أن رئيس الجمهورية لن يسقط بسهولة في فخّ الابتزاز السياسي والمقايضة، ولن يكون فريسة لحركة النهضة عبر الرّضوخ لها، كما هو الحال مع من سبقه ممّن رضخوا لابتزازها وشكلّتهم كالعجين حسب مصالحها وحساباتها وأهوائها، وألقت بهم في 'مزابل' التاريخ بعد تحقيق مآربها.

في المقابل، يبدو أن رئيس الجمهورية قريب من إطلاق أوّل صاروخ من منصتّه- التي كان قد حدّثنا عنها سابقا- وذلك بالعودة إلى تصريحاته الأخيرة التي باتت أكثر وضوح وأقلّ تعميم، وأخرها تصريحه خلال لقائه بعائلات جرحى وشهداء عملية بن قردان الإرهابية، بأنّ "هناك أطراف سياسية تعمل على استثمار العمليات الإرهابية لغايات سياسية، كما هناك من يرتب الأوضاع عن طريق عدد من الإرهابيين، وأنّه معروف من يسعى إلى استثمار دماء الأبرياء لترتيب غايات سياسية، لكن الشعب سيتصدى لمثل هؤلاء"، وقبلها تصريحه خلال لقائه برئيس المجلس الأعلى للقضاء والقائل بأنّ هناك ضغوطات على القضاء، وترهيب وضغط مستمّر يقوم به البعض من أجل الإفلات من العقاب، تصريحات رئيس الجمهورية رغم أنّها تأخذ دائما نفس المنحى ونفس سياق توجيه الاتّهامات لأطراف سياسية دون تحديدها، إلاّ أنّ هناك من استشفّ منها أنّ سعيّد قاب قوسين أو أدنى من فتحه لملّفات سياسية كبرى تهدّد كيان بعض الأحزاب وبعض الشخصيات الحاكمة في وجودها، وهو القائل بأنه على دراية وعلم بدقائق الأمور المتعلقة بمآل عدد من القضايا، وكيف يتم التعامل معها وكيف تتّم محاولات اتلاف ما يثبت إدانة عدد من المتهمين، وأيضا اطلاعه على تقرير التفقدية العامة لوزارة العدل بشأن الملّفات التي يواجهها الرئيس الأوّل لمحكمة التعقيب الطيب راشد ووكيل الجمهورية السابق البشير العكرمي، والذي من الوارد أن يعجّل التقرير بفتح سعيّد لملّفات في علاقة بالإرهاب والاغتيالات السياسية، والتي مثلّت ولا تزال تمّثل تهديدا مباشرا للأمن القومي  المتعلّق بذّمة رئيس الجمهورية.  

 

  

{if $pageType eq 1}{literal}