Menu

هل تكون قضية الطيب راشد والبشير العكرمي المسمار الأخير في نعش استقلالية القضاء؟..


 

سكوب أنفو-رحمة خميسي

لازمت الأجهزة القضائية الصمت، فيما يتعلّق بقضية الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ورئيس الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين الطيب راشد، ووكيل الجمهورية السابق البشير العكرمي، منذ توّلي التفقدية العامة بوزارة العدل البحث والتقصّي في التهم المتبادلة بين الطيب راشد والعكرمي، بعد تسريب مراسلات على مواقع التواصل الاجتماعي تكشف عن توّرط الطرفين في ملّفات فساد على المستوى القضائي والمالي والسياسي.

وانطلقت الخصومة بين الطرفين المذكورين، إثر توجيه الرئيس الأول لمحكمة التعقيب أعلى خطة قضائية، الطيب راشد مراسلة إلى وزير العدل والتفقدية العامة بالوزارة والمجلس الأعلى للقضاء، يتّهم فيها وكيل الجمهورية السابق البشير العكرمي بالتلاعب بملف اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي سنة 2013، مؤكدا فيها أنه اكتشف عند تكليفه من قبل وزير العدل بمراجعة ملفي الشهيدين، أن العكرمي لم يقم باعتماد شهادة الإرهابي عامر البلعزي الذي اعترف بإتلاف السلاحين الناريين اللذين تم استعمالهما في عمليتي الاغتيال، كما تم إخفاء محاضر البحث المتعلقة به، مبيّنا أن الأبحاث لم تتضمن ما يفيد بإجراء الاختبارات الفنية اللازمة بخصوص حاسوبين تم حجزهما في علاقة بعمليتي الاغتيال، على حدّ قوله.

كما ذكر الطيب راشد، "أن العكرمي استغل صفة الضابطة العدلية والقطب القضائي لمكافحة الإرهاب والقطب القضائي الاقتصادي والمالي، بحكم إشرافه القانوني على تلك الهياكل لضرب كل من يصنفه عدوا له، والانحراف بهذه الهياكل في مهامها الأصلية في كشف الحقائق، متهما إياه أيضا بتلفيق التهم لخصومه، والتستر على الجرائم الإرهابية من خلال إغلاق الملفات رغم ثبوت الصبغة الإرهابية لبعض الأفعال، بحسب إفادته.

ومن جهته، اتهم البشير العكرمي الطيب راشد، في مراسلة له، بأنه متوّرط في شبهات فساد مالي والثراء غير المشروع، مؤكدا أنه قام بشراء عدة عقارات وتعمّد التنصيص على أثمان غير حقيقية لها مع وجود شبهة قوية على استعماله شخصا كواجهة لشراء العقارات سنة 2019، الأوّل ثمنه مليون  دينار والثاني ثمنه 240 ألف دينار، مبرزا أنّ أحد العقارين تمّ إبرام عقد بيعه خلال نفس التاريخ، ومن طرف نفس عدلي الإشهاد وبنفس مكان إبرام العقد، على حد قوله.

وأفاد العكرمي، بأن "قيمة العقارات الحقيقية تتجاوز بكثير تلك المصرح بها بعقود البيع، إذ تتجاوز ستة أو سبعة مليون دينار"، معتبرا أنّ ثروة الطيب راشد هي ثروة ضخمة حسب ما هو مضمّن بتقرير الإدارة العامة للأداءات، على حد تعبيره.

دقّت الاتهامات المتبادلة بين القاضيين الطيب راشد والعكرمي، المسمار الأخير في نعش استقلالية القضاء، التي نسفت هذه التّهم بما تبّقى منها، وأكدّت بما لا يدع مجالا للشكّ أن المنظومة القضائية أو جزء منها نخرها الفساد والمآرب الشخصية ونهشها التوظيف السياسي والخضوع لابتزاز السلطة الحاكمة التي ما تنفكّ تبحث عن قضاء 'فاسد' لتغطية فسادها وغضّ الطرف عنها، وفي وكيل الجمهورية السابق البشير السابق البشير العكرمي مثالا في تغطيته عن جهة سياسية حاكمة بعينها، وهو ما كشفته تقارير ووثائق صادرة عن هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي، فيما يتعلّق بملّف الجهاز السري واغتيال الشهيدين.

وتبعا للتّهم المتبادلة بين الطرفين، تعهدّت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس بالبحث في فحوى المراسلات وما تضمنته من شبهات فساد مالي وتلاعب بقضايا إرهابية وأخرى متعلّقة بالشهيدين وغيرها، كما قرّر مجلس القضاء العدلي رفع الحصانة القضائية عن الرئيس الأول لمحكمة التعقيب، في ملّف واحد من جملة ثلاثة ملّفات توّرطه، وذلك في إطار الاستجابة لطلبه برفع الحصانة عنه، واستعداده لتحمّل مسؤوليته الكاملة في القضية، درءً لإحراج الأجهزة القضائية.

وتعهدّت التفقدية العامة بوزارة العدل أيضا بالبحث والتقصّي في التهم المنسوبة للطيب راشد والعكرمي، والتي استمّرت أبحاثها لثلاثة أشهر منذ أوّل تسريب للمراسلات وتبادل التّهم، ومن المرّجح أن تقريرها النهائي عن النتائج التي توّصلت إليها في الملّف، جاهز وقد تمّ تسليم نسخة منه للمجلس الأعلى للقضاء.

وفي هذا السيّاق، نشرت صحيفة الشارع المغاربي في عددها الصادر اليوم الثلاثاء وفي مقال أخر سابق، أن تقرير التفقدية العامة، تضمّن إدانة واضحة للطيب راشد والبشير العكرمي في التّهم المنسوبة إليهما، كما تضمنّت أعمال التقصّي إدانات بالفساد على عدة مستويات سياسي وقضائي ومالي، وكشفها عن أخطبوط للقضاة وشبكات مرتبطة بالطرفين راشد والعكرمي، ما أدّى بحسب ذات المصدر إلى انقسام صلب مجلس القضاء العدلي في هذا الملّف، كما عمّق المخاوف من قبر الملّف أو غلقه لصالح أحد الطرفين في إطار صفقة مشبوهة أو بتدّخل جهات سياسية نافذة، ويتعزّز هذا الاعتقاد مع التكتّم التّام عن تقرير التفقدية والاكتفاء بالاطلاع عليه دون البدء في الإجراءات اللازمة في هذه القضية، وفق نفس المصدر.

الصحيفة أكدّت أيضا، أن وزير العدل السابق محمد بوستّة تحصّل قبل يوم من إقالته على نسخة من التقرير، الذي سلّمه للنيابة العمومية من أجل التعهد بملّف القضية، وهو ما عجّل بإقالته من الوزارة، وفق تأكيدها.

ومن جانبه، النائب عن الكتلة الديمقراطية هشام العجبوني، عزّز فرضية إقالة الوزير بسبب التقرير، بحديثه في تدوينه له أمس الاثنين، أنه "حسب بعض المصادر المتطابقة، أتمّت تفقدية وزارة العدل عملها وقامت بتسليم نسخة من التقرير المتعلّق بالطيب راشد وبالشير العكرمي إلى مجلس القضاء العدلي ونسخة إلى وزير العدل (المُقال) محمد بوستة، وأنه بصفة مباشرة قرّر وزير العدل إحالة التقرير على النيابة العمومية، وقام بتحرير قرارات الإحالة وتسليمها إلى مكتب الضبط لوضع مراجعها قبل الإمضاء عليها"، وأنه بمجرّد وصول المعلومة إلى دوائر رئيس الحكومة قرّر هذا الأخير إعفاء وزير العدل فورا، و لتعويم القرار يقوم بإعفاء أربعة وزراء آخرين في نفس الوقت، و قبل إمضاء قرارات الإحالة".

قضية القاضيين راشد والعكرمي منذ إثارتها، وضعت السلطة القضائية على المحك، بعد النيّل من سمعتها ومن نزاهتها بما نسب لكلا الطرفين من اتهامات بالفساد المالي والاثراء فير المشروع، والتلاعب بالأجهزة القضائية وتوظيفها سياسيا، أمّا تقرير التفقدية العامة لوزارة العدل في هذا الصدّد سيضع القضاء في امتحان صعب إمّا سيتوّخى فيه طريق الإصلاح وإرساء الاستقلالية والنأي بالقضاء عن المصالح الشخصية والتلاعب بالملفات لفائدة جهات سياسية، أو الاستمرار في طريق التوظيف والاستغلال وتحقيق المآرب والفساد، بما هو إيذان بنهاية دولة صلاح حالها من صلاح قضائها.

 

 

  

{if $pageType eq 1}{literal}