Menu

كورونا: كيف نتعافى من الصدمة النفسية الجماعية الناجمة عن كوفيد-19؟


سكوب أنفو-وكالات

ربما لا يتبادر إلى الذهن، عند التفكير في جائحة كورونا، حالة "الصدمة النفسية"، ناهيك عن "الصدمة الجماعية"، وذلك لأننا نركز دائما على أبعاد الجائحة الاقتصادية والسياسية والبيئية والعلمية. وحتى عند مناقشة التداعيات النفسية للوباء، سُلطت الأضواء على الاكتئاب والقلق والوحدة والضغوط النفسية، ولم تشغل الصدمة النفسية إلا حيزا ضئيلا من النقاشات الإعلامية.

غير أن الصدمة النفسية أكثر عمقا مما يتصور الكثيرون، فهي ليست مجرد مرادف للتجارب التي تسبب ضغوطا نفسية شديدة، ولا تنتج دائما عن الحوادث المروعة التي تستغرق فترة وجيزة، كحوادث السيارات والهجمات الإرهابية أو مكافحة الحرائق. وتختلف الصدمة النفسية عن اضطراب الكرب التالي للصدمة.

وبعد انتهاء الجائحة، ستبقى آثار الصدمة الجماعية الناجمة عنها في المجتمعات لسنوات. فكيف نستوعب هذه التداعيات النفسية؟ وما هي نصائح وتحذيرات الخبراء في الصدمة النفسية للتعافي منها؟

 

جائحة كورونا صدمة جماعيّة

 

يقول ديفيد سترايكي، الطبيب النفسي وممثل مجلس الصدمة النفسية بالمملكة المتحدة، إن الصدمة النفسية قد توصف بأنها انهيار القدرة على إدراك التجارب والعلاقات والأحداث وتأويلها. ويفسر ذلك بالقول: "عندما تتغير نظرتك لنفسك وللعالم وللآخرين وتنقلب رأسا على عقب بسبب حدث مؤلم، ستتحول الضغوط البسيطة المتلاحقة إلى صدمة نفسية، وخاصة إذا رافق هذه الضغوط شعور مستديم وشديد بالعجز وانعدام الحيلة".

وقد تتسبب المصائب والأحداث المؤلمة اليومية في صدمة نفسية. ففقدان الوظيفة، على سبيل المثال، قد يكون تجربة صادمة بشدة. فالوظيفة يستمد منها المرء هويته والشعور بتقدير الذات وعلو الهمة والتصميم والعلاقات الاجتماعية، فإذا فُصلت من العمل، ستفقد كل الأشياء المرتبطة بها، ومن ثم تتراكم الضغوط النفسية ويصبح الجهاز العصبي في حالة تأهب قصوى.

وعندما يفقد المرء القدرة على استعادة التوازن النفسي، الذي يساعده في مواجهة الضغوط النفسية، ولم يجد شيئا يعوض هذا النقص ليحفزه في الحياة، سيشعر أنه متخبط ومسلوب الإرادة لبعض الوقت. وقد يحتاج المرء لإعادة النظر في معتقداته وإدراكه لذاته، حتى يواجه أثر الصدمة.

تحدث الصدمة الجماعية عندما يتعرض عدد كبير من الناس لصدمة نفسية جراء وقوع حدث أو سلسلة من الأحداث في نفس الفترة الزمنية، وقد تكون جائحة كوفيد-19 نموذجا مثاليا للأحداث الصادمة من جوانب عديدة.

 

المصابين والعاملين على رعايتهم أكثر عرضة للانهيار العصبي

 

وفي خضم الوباء، فقد الكثيرون أقرب الناس إليهم، ولا شك أن الموت يسبب صدمة نفسية لأي شخص في أي مكان، وقد رأى البعض أحباءهم تتدهور صحتهم سريعا أمام أعينهم ولفظوا أنفاسهم الأخيرة في غضون أيام.

والأسوأ من ذلك أن التحدث إلى المرضى والاقتراب منهم قبل الوفاة كان عسيرا بسبب القيود على الزيارات في المستشفيات، وحتى طقوس العزاء والمواساة لم تعد كما كانت، بسبب قيود التباعد الاجتماعي.

وأشار استطلاع للرأي إلى أن 20 في المئة من العاملين بالرعاية الصحية يعانون من آثار ما بعد الصدمة بعد العمل في عزلة مع المرضى في حالة حرجة. ويواجه هؤلاء العاملون عنصرا إضافيا للصدمة، وهو الجرح الأخلاقي، عندما أوقعتهم قرارات الإبقاء على حياة مرضى والتضحية بآخرين في معضلة أخلاقية غير مسبوقة.

وقد تسبب الإصابة بالأعراض الحادة للمرض، كشأن خمسة المصابين بالفيروس، صدمة نفسية، فالخوف من الموت ونظرات اللوعة في عيون الأحباء وأعراض المرض نفسها قد تملأك رعبا.

ويقول متين باسوغلو، أحد مؤسسي كلية دارسات الصدمة النفسية بجامعة كينغز كوليدج في لندن: "إن أصعب شعور يمكن أن تتخيله هو العجز عن التنفس، لأنك لا يمكن أن تفعل شيئا للتخفيف من وطأته. فانقطاع النفس هو أوضح صور العجز".

وقد توصف الجائحة بأنها صدمة جماعية، لأن تأثيرها طال الجميع، بمن فيهم أولئك الذي لم يصابوا بالفيروس ولا يعرفون أحدا أصيب به، لأن الرعب يتملكهم من الإصابة بالمرض الخفي القاتل، حتى لو لم تتحقق هذه المخاوف.

وعلاوة على ذلك، فإن سرعة انتشار الفيروس تتجاوز قدرتنا على الاستيعاب بعد توقف مظاهر الحياة في ظل قيود الحجر الصحي. وقد تغير إيقاع الحياة وإحساسنا بالواقع. وأشار البعض إلى أن الجائحة أثرت على إحساسهم بالزمن واشتكى الكثيرون من صعوبة التركيز وتشتت الذهن. ويفاقم الانتباه المتواصل لأخبار الجائحة على وسائل الإعلام من المخاوف والضغوط وقد يؤدي إلى صدمة نفسية غير مباشرة أو ما يسمى "صدمة بالإنابة". فالقصص المخيفة قد تثير نفس مشاعر الضغوط المسببة للصدمة لدى الأشخاص الذين لم يعانوا من المرض.

وأثبتت دراسات أن التجمعات والشبكات الاجتماعية في أوقات الكوارث والأحداث الصادمة التي تتعرض لها المجتمعات، مثل الهجمات الصاروخية في فلسطين وإسرائيل أو الاضطرابات التي شهدتها الجامعات في هونغ كونغ، تساعد المتضررين على التعافي من الصدمة النفسية. لكن في حالة جائحة كوفيد-19، أصبحت التجمعات مصدرا للمشاكل.

وقد دفع الركود الاقتصادي العالمي الناجم عن كوفيد-19 والحجر الصحي الملايين إلى حافة المجهول. وقد أشارت دراسات إلى ارتفاع معدلات الأمراض النفسية في أعقاب الركود الاقتصادي عام 2008، بسبب الإفلاس وارتفاع معدلات البطالة وانهيار الخطط والتطلعات للمستقبل.

ويقول غيلاد هيرشبرغر، أخصائي نفسي اجتماعي بمركز "هيرزليا" للأبحاث، "إذا أصبح شخص واحد عاطلا عن العمل، فهذه أزمة شخصية. لكن إذا أصبحت نسبة كبيرة من سكان هذا البلد عاطلين عن العمل، فإن النظام برمته يواجه أزمة".

 

آثار الصدمة الجماعية أكثر خطورة على الأطفال

 

 وستكون آثار الصدمة الجماعية المباشرة وغير المباشرة أكثر خطورة على الأطفال. فعلى الرغم من أن الأطفال أكثر قدرة على التكيف، إلا أنهم أكثر تأثرا بالاضطرابات النفسية مقارنة بالبالغين. ويقول سترايكي: "قد تتشكل لدى الأطفال رؤية مرعبة للعالم، فسيتصورون أن ما دام آباؤهم وأمهاتهم لا يمكنهم مواجهة الأزمات، فإن العالم غير آمن". وستستقر هذه النظرة في أذهانهم في حال لم نتوخ الحذر.

صاغ الأخصائيون النفسيون الاجتماعيون مصطلح "النسيج الأساسي للحياة الاجتماعية"، للإشارة إلى القصص المشتركة والمعايير السلوكية والطقوس والأنظمة والتقاليد المشتركة والمساحات الاجتماعية والمصير المشترك والعلاقة بالآخر. وبينما قد تمزق الصدمة النفسية الفردية كيان الفرد، فإن الصدمة الجماعية قد تعصف بالنسيج الاجتماعي.

ولاحظ جيفري ألكسندر، عالم الاجتماع بجامعة ييل، أن النسيج الاجتماعي في الولايات المتحدة على سبيل المثال، مزقته الفوضى وخروج الأمور عن السيطرة، كما لو كانت الدولة تتداعى أركانها بعد الوباء.

ويرى ألكسندر أن الصدمة الجماعية في الولايات المتحدة كانت مضاعفة، فقد تداخلت جائحة كوفيد-19 مع صدمات تاريخية طويلة الأمد جراء التمييز العنصري. وأشارت دراسات إلى أن الأمريكيين غير البيض، ولا سيما ذوي البشرة السوداء، قد يورّثون الصدمات النفسية جراء التمييز العنصري للأجيال اللاحقة.

 

كل الجوائح ستنتهي.. لكنّ الصدمة تأبى النسيان

 

وباستثناء نيوزيلندا، لم تخلد أي دولة ذكرى الضحايا، سواء بتماثيل أو نصب تذكارية أو حتى بالوقوف دقائق حداد على أرواح الضحايا. لكن أحدا لم يخلد ذكرى جوائح 1957 أو 1968 أيضا التي حصدت أرواح عشرات الآلاف من الضحايا على مستوى العالم.

وقد يعزى ذلك إلى طبيعة الجوائح، فصدمة الجائحة يصعب استيعابها وإيجاد تفسير عقلاني لها، على عكس الصدمات الجماعية الأخرى. فما هو الهدف الذي يموت المرء في سبيله، كشأن الموت جراء الحروب؟ ومن العدو الذي تكبد الهزيمة؟ وما هي المبررات التي تهون على النفس وقع الموت؟

ويقول هيرشبرغر: "لم يتعمد أحد نقل العدوى للآخرين، فالأمر لا يعدو كونه محصلة لأسلوب حياتنا وأنشطة البشر".

لكن نسيان الماضي قد يؤثر على قدرتنا على الاستعداد للأزمات في المستقبل. ويقول مارتن بايلي، عالم الاجتماع بكلية لندن للاقتصاد، إن المراقبين أثناء وباء 1957، لاحظوا أننا لم نتعلم شيئا من جائحة 1918. وقد نسينا أيضا جائحة 1957.

ويرى بايلي أننا لو كنا حاولنا تذكر ماضينا والتعلم منه لكنا استجبنا بطريقة أفضل لجائحة كوفيد-19.

وقد تحظى الجهود الوطنية لإحياء ذكرى الأحداث الصادمة بأهمية كبيرة، لأنها تعالج الصدمة الجماعية على نطاق واسع. ففي المملكة المتحدة، تسلط السردية الوطنية الضوء على دور هيئة الرعاية الصحية الوطنية والعاملين الضروريين في الدولة. وقد خصص يوم الثالث من يوليو/تموز للوقوف دقيقة حداد على أرواح الضحايا. ويقترح البعض إقامة نصب تذكارية للعاملين في الرعاية الصحية في لندن.

وأوصى بايلي وغيره بتخصيص يوم عطلة لتذكر جائحة كوفيد بدءا من العام المقبل، حتى تظل ذكرى الجائحة محفورة في الذاكرة الجماعية والاعتراف بألم الفقدان والصدمة والمعاناة.

وتسببت جائحة كوفيد-19 في صدمة جماعية منقطعة النظير، تغيرت على إثرها نظرتنا للعلاقات الاجتماعية المتشابكة والمعتقدات والأفكار التي تنبني عليها هويتنا إلى الأبد. ولن تعود الطرق التي نعمل بها ونعيش بها ورؤيتنا لبعضنا بعضا بعد الجائحة كما كانت قبلها، فقد اتخذ كل شيء معنى وسياقا مختلفا.

غير أن جميع الجوائح تنتهي، وسيصل هذا الوباء إلى نهايته حتما. لكن نسيان الصدمة وتجاوزها وعدم الانتباه لها والتعلم منها لن يفيدنا مستقبلا، بل قد يضر بماضينا وصحتنا النفسية وربما أيضا بمستقبلنا. 

{if $pageType eq 1}{literal}