Menu

العلاقة الروسية التركية بين التحالف الغير مكتمل والقطيعة الممكنة


سكوب أنفو- وكالات

تُبنى العلاقات بين الدول على أساس المصلحة، فلا عداء دائم و لا صداقة متواصلة، فكل شيء نسبي ومتغير، فقط وحدها المصالح التي تتغير، وقد قيل بأنّ "السياسة فنّ المُمكن، فالدول لا تبنى علاقاتها ببعضها إلا عبر المنافع المتبادلة".

إلاّ أنّ الدارس للعلاقة القائمة بين روسيا و تركيا، يكتشف أنّه بالرغم ما يبدو من توافقات بين البلدين في بعض الملفات، تبدو الخلافات بينها أعمق بكثير من التوافقات التي لا تعدو أن تكون تفاهمات مؤقتة فرضتها مصالح و أهداف كلّ طرف، و هو ما يدفع للتساؤل هل هي شراكة تكتيكية تخضع لظروف آنية أم تحالف استراتيجي ؟

أدّت حادثة إسقاط طائرة حربيَّة روسيَّة قرب الحدود التركية–السورية، عن طريق استهدافها من قبل مقاتلة تركيَّة في 24 نوفمبر 2015، إلى إشعال أزمة حادة بين موسكو وأنقرة، لكن سرعان ما عادت العلاقات للانفراج وتطورت بشكل تدريجي، إلا أنَّ عام 2020 عرف توتُّرات عديدة بين موسكو وأنقرة، كانت ساحتها ليبيا وسوريا.

التعاون المشترك:

تداخلت أوجه التعاون الروسي التركي، بين ماهو سياسي و إقتصادي، و لعّل أهم هذه الملفات، الملف الطاقي و الغاز الذي تستورده تركيا من روسيا بدرجة أولى، إضافة إلى مشاريع بناء محطات نووية روسية لإنتاج الطاقة في تركيا، وطبعا تزويد تركيا بمنظومة صواريخ إس"400"، التي تشكل عنواناً للخلاف مع أمريكا والغرب.

كما يساهم السياح الروس بشكل هام في المداخيل السياحة التركية، علاوة على أهمية  صادرات الخضار والفواكه التركية لروسيا بتبادل تجاري يناهز الـ 25 مليار دولار.

و تطمح روسا أيضا إلى إيجاد نفوذ في منطقة البحر المتوسط ما يستلزم التنسيق مع مختلف الدول الفاعلة في المنطقة، علاوة على رغبة موسكو بإيجاد شريك دولي حقيقي لإنجاز حل سياسي في سوريا وفق رؤيتها، وهذا يستلزم العمل مع تركيا صاحبة التأثير الأكبر في المعارضة السورية والفصائل العسكرية التابعة لها.

أسباب التوتر:

ظهرت مؤخرا العديد من العوامل التي ساهمت في توتر العلاقة بين الجانبين التركي و الروسي، و لعل أبرزها اصرار موسكو على حسم مصير الطرقات الدوليَّة في محافظة إدلب السورية، وعلى وجه التحديد طريق M4، وهو ما من شأنه الإضرار بالمصالح التركية.

كما يتناقض البلدين في الملف الليبي، حيث تقوم روسيا بدعم اللواء "خليفة حفتر"، في حين دخلت تركيا في تحالف إستراتيجي مع حكومة الوفاق الوطني، وقد شكَّل ملف حوض سرت أحد أهم المحطَّات الخلافيَّة بين موسكو وأنقرة في ليبيا.

زد على ذلك الخطوات التركية في مجال الطاقة وتحديداً الغاز، سواء التنقيب عن الطاقة في البحر المتوسط أو الإعلان عن اكتشاف حقول غاز في البحر الأسود، بالإضافة إلى اتجاه تركيا للبحث عن مصادر جديدة للغاز في أذربيجان وقطر ودول إفريقيا.

هذه الخطوات و خاصة بحث تركيا عن موارد جديدة للطاقة، و باعتبار أن روسيا مُزود أساسي للغاز في تركيا،  من شأنها أن تؤثِّر على واحد من أهم روابط العلاقة بين أنقرة وموسكو، خاصة بعد أن تراجعت مبيعات الغاز الروسي إلى تركيا لأدنى مستوى لها منذ تسعينات القرن العشرين.

أهمية الملف السوري:

شكّلت صعوبات تقدير الأزمة السورية أبرز حدث واجهته سياسة تركيا الخارجية خلال السنوات الأخيرة، و ظهر ذلك من خلال التغير الجذري لمقاربة أنقرة حول سوريا، إذ تحولت من  فرض رحيل بشار الأسد كشرط مسبق لأي مفاوضات حتى حدود جوان 2016، إلى القبول بذلك مع رفض قاطع  لدعوة القوميين الأكراد من حزب الاتحاد الديمقراطي إلى طاولة المفاوضات.

و لتحقيق هذا لهدف، كان على تركيا اجرائ مصالحة مع روسيا و هو ما تم فعلا في 9 أوت 2016، عندما التقى الرئيس التركي  رجب طيب أردوغان نظيره  فلاديمير بوتين بمدينة سانت بطرسبرغ الروسية،  وقد عزّزت إدانة بوتين الشديدة لمحاولة الانقلاب التي وقعت في تركيا في 15 جوان 2016 هذا التقارب.

أتاحت هذه المصالحة لتركيا التدخل عسكريا في سوريا و انطلقت عمليات "درع الفرات"  في أوت 2016، و "غصن الزيتون" في جانفي 2018، و "مصدر السلام" في أكتوبر 2019، بهدف  كبح تقدم الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا، غضت روسيا النظر أمام الأمر اعتبارا لروابط تركيا مع العديد من الجماعات المتمردة على غرار الجيش السوري الحر، والجماعات السنية أو حتى الجهادية المتطرفة  الجماعات التركمانية والتي تشكل جزءا لا يتجزأ لتنفيذ حلّ سياسي متفاوض حوله واللازم لتحقيق الأهداف الروسية.

مستقبل العلاقة بين الطرفين:

يرتبط مستقبل العلاقة بين موسكو و أنقرة بمؤثرات عديدة ستحدد ما ستؤول إليه هذه العلاقات في اتجاه ايجابي أو سلبي، و من أهم هذه العوامل هو قدرة الطرفين على الوصول إلى تفاهم متكامل حول الملف السوري، سواء في منطقة شمال غرب سوريا أو شمال شرق سوريا ومسار العمليَّة السياسيَّة.

وستلعب تطورات الصراع السوري والمفاوضات من أجل إنهائه هي التي ستحدد طبيعة العلاقة على المدى القصير، و ينبغي قراءة هذه العلاقة أيضا من منظور روابط البلدين مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

كما يُشكل الموقف الروسي من الصراع الحاصل في حوض شرق المتوسط، عاملا هاما فقد ظهرت مؤشرات مؤخراً تشير إلى تقارب روسي مع قبرص وفرنسا على حساب تركيا، إذ أنّ التعاطي الروسي النهائي مع هذا الملف سينعكس على العلاقة بين تركيا وروسيا.

و ختاما فإنَّ الطرفين ورغم التوترات ومصالحهما المتعارضة في بعض المحطّات، إلا أنهما لا يزالان يمتلكان الرغبة في الحفاظ على علاقات متوازنة و مرنة لارتباطهما بعلاقة اقتصادية وسياسية عديدة، وتبقى العلاقة معلقة بين تحالف غير مكتمل و قطيعة محتملة.

مروى بن عرعار

 

 

 

  

{if $pageType eq 1}{literal}