Menu

إقالة وزير الداخلية...معاداة لرئيس الجمهورية أم استجابة لضغوطات الحزام السياسي


 

سكوب انفو- رحمة خميسي

منذ إعلان رئاسة الحكومة في بلاغ مقتضب عن إعفاء وزير الداخلية توفيق شرف الدين من مهامه، لم تهدأ الحركة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي غمرتها التسريبات والبرقيات والتدوينات التي علّل فيها كلّ وفق مزاجه سبب إقالة الوزير، خبر الاعفاء نزل كالصاعقة على الموالين وأنصار رئيس الجمهورية والوزير نفسه، لقرب العلاقة التي تجمعهما والانسجام المتبادل في العمل بينهما الذي لا مكان لرئيس الحكومة فيه، وكالهدية من السماء للحزام السياسي الدّاعم للمشيشي المنزعج خاصة من أداء وزير الداخلية الذي يبدو أنه عزم على بعثرة أوراق بعض أطراف الحزام صلب الوزارة وإعادة التوزيع من جديد، وهو ما عجّل بإزاحته.

لئن اختلفت الروايات وخلفيات إقالة وزير الداخلية، لكن الأقرب إلى الاعتماد هي أن إعفائه المبّكر من مهامه يأتي في إطار التحوير الوزاري المرتقب الذي انطلقت أحزاب الحزام السياسي في التسويق إليه إعلاميا منذ فترة، تحت تعلّة الأداء 'الضعيف' لبعض الوزراء وفشل جزء منهم في مهامه، متكئين في تبريراتهم على إيقاف وزير البيئة مصطفى العروي الذي أطاحت به فضيحة 'النفايات الايطالية'، ووفق ذات المنطق تدعو مكوّنات الحزام بالأساس حركة النهضة وقلب تونس إلى ضرورة التخلّص من الوزراء 'الفاشلين' وتعويضهم بوزراء 'ناجحين' من المنتمين لهذه الاحزاب وهو ما انطلق رئيس الحكومة 'المطيع' في تنفيذه، حتى بلغ به الحدّ إلى توّلي زمام وزارة الداخلية بنفسه خوفا من فقدان السيطرة عليها ثانية كما الحال خلال عهدة شرف الدين .

قراءات الأحزاب المنضوية والخارجة عن الحكم، لقرار إقالة وزير الداخلية المتوّقع والمفاجئ في آن تعدّدت واختلفت حسب المواقع والمواقف، فحزب حركة النهضة الموالي للحكومة وعلى لسان قياديه رفيق عبد السلام اعتبر أن "الإقالة ليست جريمة تقتضي التبرير، بل هي من صميم مهام رئيس الحكومة الذي من حقه أن يغير ويعزل وفق تقييم موضوعي للأداء والأخطاء أيضا، وعلى رئيس الدولة أن يعي أن وزارة الداخلية قطعا ليست من مشمولاته"، وهو ما يؤكد مباركة الحركة للإقالة التي كانت تنتظرها على أحرّ من الجمر الذي اكتوى بناره الجميع خلال هذه العشرية السوداء اتي مرّت بها تونس، من أجل استعادة بعض نفوذها صلب وزارة الداخلية التي سلبها منها شرف الدين المسنود من رئيس الجمهورية رأسا، وفي الجهة المقابلة استبطنت بعض الأحزاب أن سبب الاعفاء هو الاستعجال في التخلّص من وزير الداخلية الذي عقد العزم على تفكيك الألغام التي زرعتها حركة النهضة، وتدمير الفِخفاخ التي نصبتها في قلب المؤسسة، و اقتلاع رؤوس بعض القيادات الموالية والمحسوبة عليها التي دقتها في نعش الوزارة.

واستمرارا في هذا السياق، أفاد القيادي والنائب عن حركة الشعب كمال الحبيب في حديث لسكوب أنفو، اليوم الأربعاء، أن "الإقالة واضحة للعيان أنها في نطاق تصفية الوزراء المحسوبين على رئيس الجمهورية قيس سعيد، وأنها تمّت أيضا تحت ضغوطات الحزام السياسي لرئيس الحكومة، في إعلان صريح عن رضوخه لابتزازهم السياسي".

ورجّح الحبيب، أن تتبع إقالة وزير الداخلية إقالات أخرى لوزراء سعيّد، تحت غطاء تقييم الأداء الحكومي، مبيّنا أن هذه الإقالة كانت متوّقعة بالنظر لترويج الحزام السياسي للحكومة لضرورة إجراء تحوير وزاري لمن فشلو في أدائهم، على حد تصريحه.

ولفت المتحدّث إلى أن، الاعفاء تم تفسيره على أساس أن وزير الداخلية توفيق شرف الدين تمرّد على رئيس الحكومة في علاقة بالإعفاءات التي كان من المزمع أن يجريها في صفوف بعض قيادات الأمن والحرس الوطني، الموالية لحركة النهضة والمدعومة منها، لولا قرار إقالته في اللحظات الأخيرة، مستشهدا بما حصل مع وزير الداخلية الأسبق لطفي براهم عندما قرّر تطهير الوزارة من القيادات القريبة من الحركة، أو ما اصطلح على تسميته بجهاز الامن الموازي لها، على حد تعبيره.

وأشار القيادي بحركة الشعب، إلى أن القيادات آنفة الذّكر تعتبر خطوطا حمراء يحرّم على كلّ وزير داخلية الاقتراب منها أو انواء إزالتها، ولعّل ذلك ما عجّل بإعفاء شرف الدين، بحسب تقديره.

وبيّن الحبيب، أن توّلي المشيشي الاشراف على وزارة الداخلية بنفسه، هو في إطار نصيحة أسداها حزامه البرلماني له، إلى حين الانتهاء من تحضير شخصية جديدة لقيادة الوزارة، وأيضا في محاولة لتدارك القرارات التي توّخاها شرف الدين خلال فترة إشرافه عليها، خاصة فيما يتعلّق بالتقارير التي كانت تتوّجه دوريا لرئيس الجمهورية، من أجل تغيير مسارها والحيلولة دون اطلاع الرئاسة عليها، وأيضا في سياق طمأنة حزامه بأن سيطرتهم على الوزارة عادت إليهم من جديد، وفق تعبيره.

ولفت النائب، إلى أن رئيس الحكومة مغتاظ من تجاوز وزير الداخلية له، والتعامل مباشرة مع رئيس الجمهورية دون العودة إليه في التسميات والاعفاءات وغيرها، وهو ما دفع به إلى إصدار برقية تقضي بإلغاء جميع البرقيات التي أصدرها وزير الداخلية، بدعوى عدم استشارته فيها، وفق قوله.

وأكدّ المتحدّث، أن هذه الإقالة تأتي في خانة المقايضة بين المشيشي وحزامه، أي التحوير مقابل استمراره على رأس الحكومة، مشيرا إلى أن التغييرات المرتقبة في تركيبة الحكومة بصدد التخطيط والتحضير لها فيما أسماها بالغرف المغلقة، مرّجحا أن زيارة المشيشي الأخيرة لباريس المتزامنة مع رأس السنة والتي يكتنفها الغموض، تدور في فلك التحوير، والتي من الوارد أن يكون رئيس الحكومة تسلّم فيها الموافقة على المضّي في إعادة تشكيل المشهد الحكومي من جديد، بدعم خارجي، على حد تصريحه.

ومن الملاحظ، أن إقالة وزير الداخلية إعلان صريح للحرب بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، والتي من المنتظر أن تعصف بما تبّقى من أواصر العلاقة الجافة بطبعها بينهما، وأن تدّك أيضا بالمشهد السياسي المتعفّن برائحة الفساد والنفايات والتجاوزات، كما ستعود بالوبال على المواطن البسيط الذي لا ناقة له ولا جمل من هذه اللعبة السياسية 'القذرة'، كما سيظل مهدّدا في قوته وأمنه ومسحوقا بعقدة الانتماء لهذا الوطن، الذي تداول على مفاحشته كلّ من حكمه.  

وفي ذات الصدّد، اعتبر محدّثنا أن "تصريحات رئيس الحكومة الأخيرة التي ردّ فيها على رئيس الجمهورية بالقول إنه من كوكب تونس وليس من كوكب أخر، غايتها استفزاز رئيس الجمهورية، والدخول في مواجهة مفتوحة وعلنية معه، التي ستنعكس سلبا على المناخ السياسي، وستربك الحوار الوطني المزمع تنظيمه بإشراف سعيّد، خاصة بعد تصريحه بأن الحوار سيكون اقتصاديا واجتماعيا بالأساس مسقطا الجانب السياسي منه على أهميته، في محاولة لتغيير وجهة الحوار، لما يحمله من رؤية مغايرة لمستقبل العمل الحكومي، مستمّدا في ذلك ثقته من حزامه السياسي".

إقالة شرف الدين من مهامه وعلى اعتبارها أولى الخطوات نحو التحوير الوزاري، إلاّ أنها ستكون أيضا فاتحة إعادة تشكيل المشهد السياسي بأكمله، بالتزامن مع الحديث عن حياكة فصيل سياسي جديد بنفس الأدوات والمكوّنات والتكتيكات، لكن تحت علامة تجارية جديدة لم تبتذل وتستهلك بعد في سوق السياسة، والتي تم الانطلاق في الترويج والدعاية إليها مؤخرا إعلاميا، وتحضيرها لإعادة تشكيل المشهد السياسي بنكهة حداثية تقدمية وسطية معتدلة.

 وتأكيدا على ذلك، أفاد الحبيب، بأن حركة رفعت يدها ولو جزئيا عن حليفها نبيل القروي بعد إيقافه، وتنوي التخلّي عنه نهائيا في المستقبل القريب، مستغلّة الفرصة لإعادة كسب ثقة قواعدها وامتصاص غضبهم منها، بعد تحالفها مع قلب تونس أو ما كانت تطلق عليه بحزب الفساد، مشيرا إلى أنه يمكن الاستشفاف من تصريح القيادي بقلب تونس أسامة الخليفي القائل إنه دخول القروي السجن، سيحمل معه رؤية سياسية جديدة للبلاد، ما يفيد بأن الحزام السياسي بصدد إعادة التشكيل بدخول أطراف أخرى على الخطّ، وخروج قلب تونس بعنوان مختلف، وبقيادة شخصية لم تلّطخها قذارة السياسة بعد وهي الفاضل عبد الكافي، على حد قوله.

 

  

{if $pageType eq 1}{literal}