Menu

مشروع قانون حماية قوات الامن الداخلي: حصانة أم إفلات من العقاب؟


سكوب انفو- رحمة خميسي

أعادت مناقشة البرلمان لمشروع قانون حماية قوات الامن الداخلي والديوانة، بصيغته النهائية، الجدل القائم بشأنه منذ المصادقة عليه من الطرف الحكومي يوم 8 أفريل سنة 2015، وإيداعه بمجلس نواب الشعب في ذات الشهر، تحت عنوان "زجر الاعتداء على القوات المسلّحة"، علما وأنه ظل يراوح مكانه قرابة الخمس سنوات بعد رفض المنظمات والجمعيات الحقوقية تمريره على اعتبار أنه مخالف لمواثيق حقوق الانسان ويشرّع لثقافة الإفلات من العقاب، ومنح الأمنيين الحصانة المطلقة.

وفي ظل الاستماتة في رفض مشروع القانون المذكور، ارتأت لجنة التشريع العام إجراء تعديلات عليه بهدف ملائمته للمنظومة الحقوقية، وعدم المس بالحريات الفردية والعامة، وأن تقوم فلسفته على حماية الأمنيين دون الوقوع في مطب الإفلات من العقاب، وفق ما علّلته رئيسة لجنة التشريع العام سامية عبو في عديد المناسبات.

وعلى الرغم، من تنقيح مشروع القانون وتقديمه في صيغة أكثر ليونة وفق اللجنة المشار إليها، دعت المنظمات الوطنية والحقوقية للتعبئة ضده، مطالبة أعضاء البرلمان بعدم المصادقة عليه لما يحمله من تهديد وانتهاك للحريات والحقوق، لاسيّما في ظل غياب المحكمة الدستورية.

وفي هذا السياق، اعتبرت جمعيات ومنظمات في بيان مشترك لها، أن عرض مشروع قانون لزجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح، ليس له أي معنى باعتبار أن تلك القوات هي المحمول عليها حماية حياة التونسيين وممتلكاتهم، كما ان المجلة الجزائية التونسية وقوانين خاصة أخرى حافلة بالنصوص التي تحمي الموظفين العموميين بمن فيهم موظفي الأمن والجيش والديوانة، وتنصُّ على عقوبات زجرية.

وشدّدت المنظمات الممضية على البيان، على أن طرح المشروع في هذه الظرفية الحسّاسة يؤشر إلى عودة الاستبداد وما وصفتها بعقلية الدولة البوليسية، كما سيفاقم من آفة الإفلات من العقاب التي يعاني منها التونسيون تجاه الممارسات الأمنية الخارجة عن القانون.

ونبّه البيان أيضا، إلى تناقض مشروع القانون المقدّم مع نصّ الدستور بخصوص مبادئ الأمن الجمهوري والحقّ في الحياة، وذلك بتنصيصه على استعمال القوة المُميتة في أوضاع ملتبسة، وتعطي القوات الحاملة للسلاح سلطة تقديرية مع اعفائها من المسؤولية والمحاسبة.

من جانبها، دعت منظمة العفو الدولية أعضاء البرلمان إلى رفض مشروع قانون من شأنه أن يعزز إفلات قوات الأمن من العقاب، ويحميها من أي مسؤولية جنائية عن استخدام القوة المميتة لحماية المنشآت الأمنية.

وأفادت في هذا الصدد، آمنة القلالي، نائبة المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، بأنه "على الرغم من التعديلات الإيجابية على مشروع القانون المقترح - التي أزالت الانتهاكات المروعة على الحق في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، التي كانت موجودة في المسودات السابقة - لا يزال مشروع القانون يحتوي على أحكام من شأنها أن تعيق المساءلة عن الانتهاكات الجسمية لحقوق الإنسان".

 

وتابعت بالقول، "لقد ناضلت منظمات المجتمع المدني التونسية والدولية ضد مشروع القانون هذا، مراراً وتكراراً"، محذرة من التأثير الضار الذي سيخّلفه على سيادة القانون، وأما إذا ما اعتمد مشروع القانون هذا، فسوف يعزز ثقافة الإفلات من العقاب، وبعث برسالة مفزعة إلى قوات الأمن مفادها أن لديها الضوء الأخضر لاستخدام القوة على النحو الذي تراه مناسباً دون خوف من التعرض للمحاسبة، على حد تعبيرها.

ومن جهته، أكد الوزير المكلف بحقوق الإنسان والعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني السابق، الحقوقي العياشي الهمامي، في تصريح لصحيفة العربي الجديد، رفضه للقانون، مبينا، أن "التشريع التونسي يحمي الأمنيين، فلا جدوى من صياغة قوانين استثنائية لكل قطاع، وإلا سيُطالب كل سلك بقانون استثنائي"، لافتا إلى أن "حماية الأمنيين مكفولة في أحكام المجلة الجزائية، وفي قانون مكافحة الإرهاب".

وتزامنا مع دعوات المنظمات الرافضة لتمرير مشروع القانون، نفّذ صباح اليوم، عدد من نشطاء المجتمع المدني والشباب المستقل، وقفة احتجاجية أمام مقر مجلس نواب الشعب بباردو، احتجاجا على مشروع القانون سالف الذكر، بالتوازي مع اقتراب موعد مناقشته في الجلسة العامة بالبرلمان.

وفي هذا السياق، اعتبر الناشط الحقوقي صابر الماجري، في تصريح لسكوب أنفو، اليوم الخميس، أن مشروع القانون المذكور يتنافى والمواثيق والمعاهدات الدولية التي أمضت عليها تونس، على حد تعبيره.

وأكد الماجري، أن مشروع قانون حماية قوات الامن الداخلي والديوانة من شأنه تكريس التمييز بين فئات المجتمع، كما سينجر عن تمريره مطالبة قطاعات أخرى بقوانين تحميها اقتداء بالأمنيين، بحسب تقديره.

وفي الإطار ذاته، أوضح المتحدث، أن صورة الأمني لا تزال مهتزّة لدى المواطنين، كما لا تزال مقترنة في المخيال الشعبي بالقمع والهرسلة وغيرها من الاعتداءات، مؤكدا أن تونس لم تبلغ بعد مرحلة الامن الجمهوري، في ظل عدم تحقّق المصالحة بين الأمني والمواطن، مشدّدا على ضرورة القطع مع جميع الوسائل والقوانين التي من شأنها إعادة تكريس المنظومة البوليسية والقمعية، وفق قوله.

ولفت الناشط، إلى أن مشروع القانون المشار إليه، يمنح سلطة تقديرية للأمنيين تتجاوز أحيانا قدراتهم الذهنية والفكرية، ما سينتج عنه سوء تقدير في بعض الأحيان، فضلا عن تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، مبرزا، أن المسألة لا تحلّ بقوانين صادرة عن البرلمان، إنما بنظام داخلي للقوات الأمنية، على حد تعبيره.

وأكد الماجري، أنه من التناقض مطالبة الأمنيين بحقوقهم دون قيامهم بواجباتهم، مشيرا إلى عجز المنظومة الأمنية في التصدي لظواهر الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، مبينا أن الأولوية اليوم هي تعزيز المنظومة الأمنية خاصة الحضور الميداني في ظل تنامي الجريمة المنظمة، تحقيقا للانسجام بين واجباتهم والمطالبة بحقوقهم، وفق تقديره.

كما عاب المتحدث، على الجهة المبادرة بمشروع القانون الذي تم تنقيحه في مناسبات عدّة، تغييب الجهات المختصة من الخبراء ورجال القانون، وعدم تشريك المنظمات الحقوقية في صياغته والاستئناس بأرائها خاصة فيما يتعلق بالجوانب الحقوقية، بحسب تصريحه.

 

 

  

{if $pageType eq 1}{literal}