Menu

وباء شعب عند الحكومة فوائد


سكوب أنفو- بلحسن اليحياوي

لم يكن  الياس الفخفاخ منذ أن تولى رئاسة الحكومة ،ليتخيل أن يكون له كل هذا الحظ ،وأن تمنحه هذه الجائحة كل هذا الوقت ،ليرمم جدران حكومته المتهاوية .منذ أن تمت المصادقة عليها بحزام برلماني توقف عداده عند 129 صوتا من جملة 217 نائبا .برغم كل الظروف التي تهيأت له، بدءا من حكومة الحبيب الجملي التي استنفذت كل الآجال الدستورية ،و فشلت في النهاية على الحصول على تصديق البرلمان ،وكل ذلك الدعم الذي تلقاه من قصر قرطاج ،ما مكنه من الاستثمار في القاعدة الانتخابية الضخمة لرئيس الجمهورية ،هو الذي لم يتجاوز رصيده خلال الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية السابقة لاوانها الاثني عشر الف صوت (11532)،وهو أيضا الذي لم يحظى سوى بتزكية حزب وحيد ...الا أن نرجسية رئيس الجمهورية صاحب الحل والربط ،،طبقا لأحكام الدستور اثر فشل رئيس الحكومة المكلف من طرف الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية .جعل الاختيار يقع عليه بوصفه الشخصية الأكفأ علنا. والشخصية التي لا يمكن أن تستمر الا  في جلباب رئيس الجمهورية ،كما دار في خلد هذا الأخير. بل لعل السبب الأساسي الذي دفع بالرئيس قيس سعيد الى اختيار الياس الفخفاخ ،ظنه أن رئيس الحكومة المكلف لا يملك ما يكفي من الحظوظ ليتخطى عتبة المصادقة على حكومته أمام البرلمان .فيتحوز بذلك على سلطة حل البرلمان ،والدعوة الى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها طبقا للفصل 89 من الدستور. وهو ما يفتح الأبواب امام ساكن المنيهلة أنذاك -قصر قرطاج حاليا - حتى يضع يده على البرلمان ، بفضل إرادة الشعب ،وحالة الوعي التي تمكنت من عقول و أفئدة قرابة الثلاثة ملايين ناخب ...

الا أن أحلام رئيس الجمهورية اصطدمت بإرادة شيخ البرلمان ،الذي لم يفت في عضده التلويح بالفصل 89 من الدستور ،وفزاعة حل البرلمان .فالتجأ الى حيلة العصا و الجزرة ،متوسلا الى نجاحها بطموح رئيس الحكومة الشاب ،الذي لم يكن ليترك فرصة ترؤس الحكومة تمر دون اقتناصها ،وان عنى ذلك التنكر لأيادي ولي نعمته رئيس الجمهورية قيس سعيد ... وفي النهاية جاءت حكومته المجيدة خليط لا يتقنه سوى أولئك الذين لا تعني لهم المسؤولية الا سطورا جديدة في سيرة ذاتية ،تفتح لهم مستقبلا أبواب الشركات ،والهيئات ،والمنظمات الدولية .ودعك ودعني من مقولات الوطنية ،والمسؤولية والحكومة القوية والعادلة ... وعلى هذه الشاكلة كانت الأسماء وكان الوزراء ...

أما الملفات التي كانت تنتظر حكومة الرئيس ،والاستحقاقات الدستورية ،و التشريعية ،والتحديات الاقتصادية والاجتماعية و الإصلاحات وحروب الردة و الفساد فقد "كانت في صحيفة  تحت سرير عائشة فدخل داجن و أكلها " حين تشاغل القوم بوباء الكورونا ... فذهبت بذلك مثلا "وباء شعب عند الحكومة فوائد"

وقد سمعنا طويلا خلال المفاوضات الماراطونية لتشكيل الحكومة، مقولات حكومة الرئيس ،وحكومة الإقلاع ،و حكومة الصف الثوري ...دون أن يتكرم على جهلنا رجل من أقصى الصف ،ليطلعنا على برامج الحكومة ومشاريعها ،وحلولها للاقتصاد الرث، والتعليم المتدني ،والبطالة المتفشية ،والفساد المتمكن من مفاصل الدولة ،والإدارة المنهكة وغير ذلك كثير... ورغم كل المحاذير والشكوك ،فقد كان ثمة امل يحدوا قسما كبيرا من الشعب المغلوب على أمره ،ان نرى أخيرا ولو مجرد خيال لجكومة قد تكون قوية وعادلة ... والحقيقة لم تلبث هذه الحكومة ان أبانت على قوة قبضتها ،وشدة بأسها ،في تعاملها مع الجائحة التي ألمت بالعالم من حولنا ،وكانت لها بمثابة هدية السماء .فقد تراجعت كل الملفات العاجلة، مفسحة المجال للملف الصحي الحارق ،المتعلق بمجابهة الوباء .وبسرعة قياسية نحت لنا رئيس الحكومة صدى مصطلح حالة الحرب الذي تردد بين ظهراننا منذ أن نودي به في قصر الإليزيه .وأصبحت حكايا الحجر الصحي العام  ،وحضر الجولان ،والتقصي الذكي للوباء ،وأعداد الإصابات و الوافيات التي حدثت ،والتي كانت ستحدث لولا همة الوزير الجنرال وأركان حربه ،الخبز اليومي لشعبنا ،الذي لا يطرق النوم أجفانه قبل أن يأتيه الإعلام اليومي لوزارة الصحة .وهذا الأخير مزاجي الى درجة المجون فأعداده مرتبكة ،وإحصاءاته غير محينة ،وأرقامه لا تثبت على حال ،هو الى الأحجية أقرب ... ولحل هذه الأحجية ،لم تجد حكومتنا الموقرة أقرب من جيب شعبها الكادح، لمواجهة تبعات الوباء .والحقيقة انها لم تدخر جهدا ،فاقتطاع يوم عمل ،وفتح الباب أمام التبرعات العينية و المادية ،والدعوة الى اللحمة الوطنية ،كانت اجراءات على أعلى مستوى من الشدة و الحزم .في حين كان العالم من حولنا ،أو على الأقل ذلك الذي نظنه نحن كل العالم ،يتكفل بكل ما يحتاجه مواطنيه، في مقابل أن يلتزم مواطنوه فقط باجراءات الحجر الصحي لا أكثر ... وفي الأثناء لم يبخل علينا رئيس الحكومة بإطلالات متعددة ومعدة بدقة ،ليستعرض إنجازات حكومته ،وليذكر بالمناسبة بدقة وخطورة الوضع الصحي ،وليعلن تمديد الحجر الصحي ،ويندد بنفس المناسبة بالانتهاكات المسجلة للحجر الصحي العام ،منوها بسخاء حكومته التي تعهدت بدفع ما يوازي 60 دولارا من كيسها لكل من تضرر من حالة الكمون ...

في الأثناء عكفت مصالح رئاسة الحكومة على التقصي بدقة في سير ذاتية عدة لرجالات الدولة، التي تحتاجها تونس في ضل هذا الوضع الدولي الغائم، و المنذر بالثبور وويلات الأمور... وبعد الجهود الحثيثة، بعيدا عن كل الترضيات الحزبية ،و المحاصصات السياسية ،وشراء الذمم ،تمكن رئيس الحكومة أخيرا من إيجاد جملة من المستشارين ،يشد بهم من عضد الدولة ،ويضمن من خلال تسميتهم تماسك الحكومة ،ومن ورائها البرلمان، و من خلفهم جميعا رئاسة الجمهورية ،لمواجهة كل التبعات الممكنة ،و الغير ممكنة للجائحة التي ضربت العالم .خاصة وأن الفسحة التي مكنه منها صاحب الجلالة كوفيد التاسع عشر قاربت على الانتهاء .ولن تلبث أن تطفو على السطح من جديد استحقاقات المرحلة. وتوقيا من كل مفاجأة قد تأتي بها قادم الأيام ،لا ضير من الاستعداد والاعداد لتربص المتربصين، والصائدين في الماء العكر ومتابعي " الحكايات الفارغة " 

{if $pageType eq 1}{literal}