Menu

ما بعد كورونا


سكوب أنفو -تونس 

في نهاية العام المنصرم و تحديدا بتاريخ 30 ديسمبر 2019 أعلنت الصين عن وجود فيروس شبيه بفيروس السارس و أن هذا الفيروس هو نوع من فيروس كورونا، من سلالة كبيرة من الفيروسات تشمل متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة وكان طبيب صيني يدعى لي وينليانج، يعمل في مدينة ووهان أفاد بتشخيص 7 حالات إصابة في سوق المأكولات البحرية المحلي كان هذا الطبيب هو أول ضحايا الإصابة بهذا الفيروس. ومنذ ذلك التاريخ تصاعدت وتيرة الإصابات بشكل مطرد انطلاقا من مدينة ووهان الصينية وفي اتجاه كل دول العالم حتى وصلنا اليوم الى اعتبار أوروبا بأكملها بؤرة من بؤر الكارثة الصحية مرورا بايران التي شهدت تفشي كبير للفيروس .

وقد أودى كوفيد 19 بحسب التسمية العلمية له بحياة أكثر من 6000 شخص حول العالم منذ ظهوره أواخر ديسمبر الماضي، وفق آخر حصيلة أخذت استناداً إلى مصادر رسمية. وإجمالا، تُوفي 6036 شخصاً من أصل 159844 إصابة مسجّلة في العالم وفيما لا تزال الصين في الطليعة كونها الدولة التي سجّلت أكبر عدد وفيات (3199) إلا أن الوباء بات يتفشى بسرعة الآن في أوروبا، مع 1907 حالات وفاة بينها 1441 في إيطاليا وحدها و288 في إسبانيا، وهما الدولتان الأكثر تأثراً بالوباء في القارة .

واختصارا، يعيش العالم اليوم على وقع الأخبار المتعلقة بهذا الفيروس،وسبل مكافحته.ولكن من الأكيد أن هذا العالم على أبواب تغيير كبير. فما بعد كورونا ليس كما قبله حتما، ولكن من المؤكد أيضا ان أسباب هذا التغيير الذي نحن مقدمون عليه، ليس هذا الوباء فقط ،وان كان ظهوره علامة فارقة و فاصلة مهمة في تاريخ الشعوب و المجتمعات الحديثة. فالحقيقة أن هذه المنظومة العالمية قد فشلت تماما في قيادتها للعالم بعد أن استهلكت و استنفذت كل الفرص الممكنة لبناء عالم صالح للعيش ... لقد مثل ظهور فيروس كورونا الجديد كوفيد 19- وبقطع النظر أكان هذا الوباء صنيعة الانسان أو الطبيعة -فرصة مثالية لتحميله أسباب فشل النظام العالمي الجديد ،الذي لن يلبث أن يصبح قديما، وسارع العديد الى التبشير بأزمة اقتصادية عالمية جديدة و غير مسبوقة ،وبدأ تواتر التوقعات السلبية للاقتصاد العالمي، فقبل فترة توّقع المحللون في بنك "يو بي إس" الاستثماري ألا يزيد نمو الاقتصاد العالمي في الربع الأول من العام على 0.7 في المئة، مقابل توقعات سابقة بنمو يصل إلى 3.2 في المئة.ورجحت عدة توقعات لمؤسسات ومحللين اقتصاديين أن ينكمش اقتصاد الصين هذا العام 2020 بنسبة تتراوح ما بين 1.5 إلى 2 في المئة، ما يعني احتمال ألا يصل نمو ثاني أكبر اقتصاد في العالم إلى 5 في المئة وربما يقترب من 4 في المئة (مقابل نمو بنسبة 6.1 في المئة خلال العام الماضي).وسيكون ذلك أول انكماش للاقتصاد الصيني منذ نحو أربعة عقود (آخر انكماش كان في عام 1976) حسب أرقام البنك الدولي، ويبدو أن أكثر المتأثرين عالمياً بتراجع اقتصاد الصين هو الاتحاد الأوروبي، فقد بدأت تبعات إغلاق صناعات صينية كثيرة نتيجة انتشار فيروس كورونا والحجر الذي فرض تباعاً على مناطق مختلفة في البلد الآسيوي إلى تراجع الإنتاجية في دول منطقة اليورو بشكل كبير.

صحيح أن تراجع الإنتاجية الأوروبية مستمر منذ العام الماضي، لكن زيادته في الأرقام التي صدرت بداية هذا العام  تشير إلى مزيد من الضعف في الاقتصاد الأوروبي، فحسب أحدث الأرقام، تراجعت إنتاجية منطقة اليورو للعام الماضي بنسبة سنوية سالبة وصلت إلى 4.1- في المئة، بينما تراجعت جانفي 2020 بمستوى شهري عند 2.1- في المئة، هو الأدنى منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2009.وتتجه كل المؤشرات إلى أن هذا العام قد يشهد التصحيح الاقتصادي العالمي الذي يجري الحديث عنه منذ عام 2016، سواء كان ركوداً أو كساداً طويل الأجل، ولا تقتصر المؤشرات على أرقام النشاط الاقتصادي الرئيسة، بل إن أسعار السلع تتجه إلى الهبوط من سعر النفط إلى أسعار مواد خام أخرى كالحديد والنحاس.

في المقابل، بدأت أسعار العقارات في اقتصادات رئيسة كالولايات المتحدة وبريطانيا في الارتفاع ما يعطي شعوراً خاطئاً للأسر بزيادة ثرواتها وتحسن وضعها الاقتصادي، وإن كان ذلك حتى الآن لم يؤد إلى ارتفاع مفاجئ في الديون الشخصية، إلا أن تلك الديون هي بالفعل عند مستويات غير قابلة للاستدامة.

ويقابل ذلك الوضع في دول الاقتصادات الرئيسة، وضعٌ أشد خطراً في الدول الصاعدة والنامية والمثقلة بالديون، وكل الأرقام، من الاقتصاد الأميركي إلى اقتصاد الفلبين، هي أكبر مما كانت عليه في الفترة السابقة لانفجار الأزمة المالية العالمية السابقة عام 2008.في الوقت الذي يزيد فيه حجم الدين العالمي عن ضعفي الناتج المحلي الإجمالي العالمي باقترابه من نحو 200 تريليون دولار مما يشي بخطورة المرحلة  بشأن فقاعة الدين العالمي واحتمال انفجار أزمة في ظل ركود أو حتى كساد اقتصادي عالمي، اتهم رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس، بنوك تنمية إقليمية بالمسؤولية عن تغذية تضخم فقاعة الدين العالمي، وبدا أن المؤسستين الماليتين الدوليتين، البنك والصندوق، يستبقان تفادي المسؤولية عن تفاقم أزمة مديونية عالمية بإلقاء اللوم على فيروس كورونا،الذي ليس الا مجرد عامل من الف او القطرة التي ستفيض الكأس , اذ كل العوامل اليوم تجمعت في نفس الوقت لتشير سهامها الي الركود والفوضي Collapse : -ففي الصين  لدينا ازمة ،او فقاعة الدين الداخلي وفقاعة الانتاج surproduction -يحدث هذا مع محاولة الصين الانتقال الي مرحلة جديدة من التنمية، او ما يسمي بما بعد الحقبة الصناعية ،اي عندما لا تلعب الصناعة دورا مهيمنا في تشكيل الاقتصاد والثروة .والتحول دائما مؤلم تصاحبه الازمات. أما في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية واليابان لدينا فائض هيكلي Structurel للأصول المالية يصعب علي الاقتصاد الحقيقي امتصاصه ،او استعاب هذه الاصول وتوزيعها ،وينعكس هذا في المعدلات السلبية لنسب الفائض، وايضا في تزايد الطلب علي الاصول السامة ،او ما يسمي باصول القمامة ، أو الخردة ،مع غياب الاحساس بالتوازن . اقتصاد الغرب واليابان اليوم هو فقاعات اينما حللنا وفي كل المجالات حتي سرعة تسخين الاسواق وصلت الي 140٪ في شهر فيفري الجاري ،مقارنة بمعدل النمو التاريخي المتوسط ​​على مدى 150 عامًا .بالإضافة الى كل هذا لدينا ايضا استنفاد كامل لإمكانيات التحفيز النقدي والميزانية ،اي التشجيع علي القروض ،او دعم الميزانيات لدعم الاستهلاك اي تحفيز القطاع الحقيقي ، اذ تم تخفيض معدلات الفائض إلى صفر أو حتى نسب سلبية ،اين البنوك المركزية  لم تعد تلعب دورا رئسيا في الاقتصاد ،اذ اصبحت تلعب دور البنك العادي الذي يتدخل في البورصة لشراء او طرح الاصول السامة. ثم ان الدين العام للناتج المحلي الإجمالي أعلى من أي وقت مضى بالنسبة للبلدان المتقدمة ،كما أوضحناه آنفا ولا يوجد اي منقذ ولا شيء يمكن إنقاذه...  والملاحظ أيضا  تزايد الطلب علي السياسات الحمائية في كل الميادين بعد ان فشلت العولمة في تقديم المنفعة للانسان .واصبحت فقط مجرد غطرسة واحتلال ثقافي واقتصادي وسياسي واجتماعي وبيئي...والتي اصبحت من اكثر العواقب التي لا يمكن ان نتنبأ بمستقبلها. زد على ذلك مشاكل ديون لم يتم حلها متجمدة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وتجميدها متعمد حتي تتمكن اللوبيات المالية كالبنوك او الشركات التلاعب بها ،كشراء الدين وبيعه ،ثم توزيع الارباح لتطفوا هذه الديون من جديد في البورصات ،لشرائها وبيعها وهكذا دواليك.... عوض الاستغناء عنها كليا او تحويلها الي استثمار في الاقتصاد الحقيقي .وفي النهاية نملك اليوم أكبر تفاوت اجتماعي منذ 1930 وخاصة في الدول المتقدمة وعلى راسها الولايات المتحدة .هذا التفاوت في حد ذاته لن يكون سبب الازمة بل سيساهم في اشتعالها.

وبالمحصلة بين يدينا اليوم  أكبر خلل في تاريخ البشرية، بين الأصول المالية وامكانية استثمارها في الواقع. اي في الاقتصاد الحقيقي. حيث حجم المال يفوق امكانية استثماره على ارض الواقع، وعلىالعرض والطلب والاستهلاك. فماذا يجب ان يحدث في هذه الحالة ؟ ببساطة  اعدام راس المال لتحقيق التوازن كل هذا يحدث وسيحدث بوجود فيروس كورونا أو عدمه.

 

أما السؤال الحقيقي فهو كيف سيكون شكل العالم بعد كورونا ؟

بلحسن اليحياوي

{if $pageType eq 1}{literal}