Menu

محمد بودربالة الشبح .. بن ميناشي سيد الأكاذيب : تفاصيل و خفايا عقد القروي


  

سكوب أنفو – شامل نور الدين/ شهرزاد عكاشة

سنة 2002 أصدرت المحكمة العليا في زمبابواي حكما ضد مورغان تسفانغيراي زعيم حركة التغيير الديمقراطي المعارضة بتهمة الخيانة العظمى، و استندت المحكمة في قرارها الى تسجيلات قدمها آري بن ميناشي باجتماعات مع تسفانغيراي زعم خلالها أنه طلب منه المساعدة في تصفية الرئيس الزمبابوي روبرت موغابي.

وقح و مخادع و غير موثوق به

بعد عامين من الحادثة تمت تبرئة تسفانغيراي بعد أن ثبت لمحكمة التعقيب أكاذيب بن ميناشي ، فضلا عن علاقة شركته ديكنز و مادسون بالنظام القائم حينئذ ، حيث كانت تعمل لصالح موغابي، ليتبين أن القصة برمتها مُختلقة بهدف تصفية منافس انتخابي لديكتاتور زمبابواي السابق، و وصف القاضي بالمحكمة العليا بالبلد أن بن ميناشي "وقح و مخادع و غير موثوق به".

لاحقا كوفئ بن ميناشي على خدماته الانتخابية من طرف موغابي عبر منح امتياز تأجير مئات من مزارع البيض التي تم تأميمها لفائدة "بول لورو" امبراطور المخدرات العالمي لاستغلالها في زراعة الحشيش .. و للصدفة المحظة أيضا كان بول لورو عميلا لشركة "ديكنز و مادسون" لصاحبها بن ميناشي.

هذا الاستعراض التاريخي يكشف بعضا من سجلات عميل الاستخبار ات العسكرية الصهيونية آري بن ميناشي ( موشي حبرون اسمه الحركي)  و الأدوار التي اضطلع بها في التزييف و الكذب و التآمر المفضوح .

لم يكن بن ميناشي طوال تاريخه سوى أداة لتنفيذ مهام قذرة و مؤامرات رخيصة اعتمادا على موهبته في الكذب و اختلاق الروايات مهما بلغت من التضارب و التناقض في التفاصيل و هو ما يتبين حتى عبر مقارنة بسيطة لبعض تصريحاته الواردة بالفيديو و مقارنتها بتصريحاته السابقة لمواقع و صحف عربية و غربية ، فضلا عن المعطيات المتوفرة عنه على الشبكة العنكبوتية.

تبلغ صفاقة بن ميناشي في الكذب درجة مضحكة حين ادعى في الفيديو أنه لعب دورا أساسيا في صياغة اتفاق أوسلو للسلام سنة 1993 ، فضلا عن تفاهات أخرى لا تقل اسفافا و سخافة .

و لعل المتابع لسلسلة تصريحات بن ميناشي منذ تفجر قضية نبيل القروي قبل أيام ، لا بد له أن يتساءل عن سر إصرار بن ميناشي على فضح أسرار عميله الذي اتفق معه على عقد دسم يبلغ مليون دولار و هو ما يتعارض منطقيا مع مصلحة بن ميناشي بالدرجة الأولى و يتناقض مع أصول العمل في مجال اللوبيينغ و تشبيك العلاقات و التأثير في الرأي العام .

 

مشاهدة الفيديو في حد ذاتها تعطي انطباعا لأي شخص مهما بلغت به سذاجة التفكير أو حسن النوايا بأن بن ميناشي كان بصدد تقديم شهادات ادانة لعميله على طبق من ذهب و بشكل مجاني و علينا طبعا اما أن نصدق أن الرجل يراعي الله و ضميره في التعاطي مع الاعلام أو أنه يسعى الى ضمان مكافأة أخرى أشد دسما في صورة الدور المناط بعهدته و هو ما قام به بالفعل.

عبر هذه الاسطر لا ندعي ضرب الودع أو الاطلاع على الغيب بل أننا سنثبت أكاذيب و تلفيقات بن ميناشي انتصارا للحقيقة وحدها بقطع النظر عن المواقف من نبيل القروي على المستوى الوطني و الجدل المثار حوله.

فصول هذا التناقض تتكشف عبر مقارنة تصريحات بن ميناشي التي تتالت بشكل غريب الأسبوع الماضي ليتحول الى نجم تتهافت وسائل الاعلام على الفوز باطلالته التي بدأت على موقع ميدل ايست آي و التي صرح عبرها أن العقد المنشور على موقع وزارة العقد الامريكية تم توقيعه مع وسيط يسمى محمد بودربالة ، لكنه أكد و هو المهم أنه غير متأكد من علم نبيل القروي بالعقد و بنوده ... لا حقا ناقض بن ميناشي هذه الرواية مدعيا أن الاتفاق على العقد و توقيعه تم في لندن بحضور نبيل القروي نفسه و زوجته و أخيه غازي ، و هي رواية فندتها سلوى السماوي عند اتصال سكوب أنفو بها مؤكدة أنها لم تزر بريطانيا منذ عدة سنوات و هو ما يسهل التأكد منه بمراجعة الجهات الرسمية المختصة.

و لم يفاجئنا صديقنا الظريف بن ميناشي عندما حاول ترقيع تناقضه في الحوار الذي أجراه معه الصحفي المقيم بكندا زهير طابا ، ليقول أن اللقاء الذي تم ببريطانيا جاء لتوقيع عقد اتفاق أول مع محامي القروي الأستاذ محمد زعنوني و ذلك اثر زيارته و اجتماعه مع نبيل القروي في تونس في أوت الماضي .

بودربالة اللغز

يبدو اسم محمد بودربالة لغزا حقيقيا في هذه القضية ، فهذا الشبح يكاد يعد المفتاح الأساسي لمعرفة الحقيقة بين تصريحات بن ميناشي المتناقضة و تفنيد حملة نبيل القروي ..

في البداية قال بن ميناشي لموقع ميدل ايست آي أن محمد بو دربالة أكد له خلال لقاءه به و توقيع العقد معه أنه مرسل من طرف نبيل القروي و أنه غير متأكد من علم القروي بالموضوع، ليناقض نفسه في الحوار بالفيديو عندما أنكر معرفته ببودربالة قبل أن يحاول تصحيح زلته بالقول حملة نبيل القروي هي من أعلمته بإيفاد بودربالة اليه بعد إيقاف نبيل القروي.

أما عن السيد محمد بودربالة المختفي، فقد تمكن موقع سكوب أنفو باتصالات خاصة من التأكد من هويته ، باعتباره تونسيا مقيما بفرنسا و يعمل في مجال العلاقات العامة و اللوبيينغ في باريس و يمكن أن نفهم أن إصراره حتى الان على البقاء وراء أسوار الصمت دون توضيح علاقته بالقضية يؤكد أن توقيعه إنما كان في اطار أداءه لدور ما طُلب إليه بعده التزام الصمت و البقاء بعيدا عن الظهور بحسب ما نقلته لنا مصادر خاصة مقربة منه جدا و نكتفي بالاشارة الى أن السيدة "ل.ب" زوجة بودربالة اتصلت ببعض الاطراف في تونس بعد ورود اسم زوجها معبرة عن استغرابها لاقحامه في هذه المسألة مكذبة علاقته بالقروي لتلتزم بعدها الصمت بشكل مفاجئ.

تناقضات عقد غير قابل للتطبيق

ليست وحدها تصريحات بن ميناشي من تلقي بظلال كثيفة من الشبهات حول القصة برمتها، ذلك أن طبيعة العقد و تواريخ تسجيله و المصادفات القدرية المرتبطة به تجعلنا نطرح أكثر من سؤال تنتهي جميعا عند استنتاج واحج ، إما ان السيد نبيل القروي غر ساذج في ميدان العلاقات العامة و الاتصال و التشبيك و إما أن بن ميناشي أحمق غبي لا يمكنه الحفاظ على مصالح عملاءه .

لا بد من الإشارة بادئا بذي بدء و قبل مناقشة مضمون العقد في حد ذاته ، الى أن نشاط وكالات اللوبيينغ و صناعة جماعات الضغط و التأثير في الولايات المتحدة الامريكية مجال مقنن و تنشط هذه الشركات خاصة في المجالين الاقتصادي و السياسي مع المؤسسات الامريكية و أجهزة صنع القرار و على رأسها الكونغرس .

و عند الاطلاع على موقع "فارا" و هو موقع رسمي خاص بتسجيل العقود الخاصة بشركات اللوبيينغ و تمثيل المصالح ، يمكن بضغطة زر الوقوف عند المبالغ التي تقوم عديد الأطراف و الحكومات العربية بدفعها سنويا لهذه الشركات لحماية مصالحها و تسويق صورها لدى دوائر القرار الأمريكي، فعلى سبيل المثال أنفقت قطر مبلغ 11 مليون دولار سنة 2018 عبر أكثر من ستة وكالات لوبيينغ في عدة مجالات سياسية و اقتصادية ، فيما أنفقت البحرين مثلا مبلغ 1.4 مليون دولار في نفس المجال و ليس غريبا أن نكتشف وجود تونس في القائمة حيث قدمت أطراف حكومية و أخرى شيه حكومية 285 ألف دولار عبر ثلاث شركات ، مثل هذه المبالغ التي تدفعها الجهات الرسمية و الحزبية و مراكز القوى و اللوبيات الاقتصادية لحماية مصالحها تبدو تكلفتها برغم أهميتها أقل من قيمة العقد المزعوم المبرم بين نبيل القروي و وكالة ديكنز و مادسون، ما يدفعنا للتساؤل إن كان نبيل القروي أكثر ثراء من دولة البحرين أم أن منصب الرئاسة في تونس يفوق ما تدفعه هذه الدولة الخليجية لحماية كل مصالحها لدى واشنطن؟؟

عند التثبت من موقع فارا و هو موقع رسمي أمريكي ، وقفنا عند تفصيل يتعلق بآلية تسجيل العقود و هو عدم اشتراط

مضمون العقد لا يقل غرابة عن شخصية بن ميناشي ، حيث أنه  ينص ضمن بنوده على توفير خدمات استشارية لنبيل القروي و تسويق صورته لدى جماعات الضغط السياسية في الولايات المتحدة و كذلك جمهورية روسيا الاتحادية ، و لسائل أن يسأل عن الفائدة التي سيجنيها القروي من تسويق صورته و القيام بحملة لوبيينغ و تسويق صورته لدى الكرملين و الدوائر السياسية الروسية التي لا تتمتع بأي حضور أو تأثيرلا في تونس و لا في شمال افريقيا ، كما أنه من غير المنطقي أن تعلن وكالة لوبيينغ ضمن عقد رسمي مسجل لدى السلطات الامريكية عن نشاط لها في روسيا يتعلق بتكوين جماعة ضغط هناك و هو أمر مناف للمنطق .

يتعهد العقد أيضا المسجل في 29 سبتمبر و المبرم بتاريخ 19 أوت 2019 بتنظيم لقاءات لفائدة القروي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و عدد من أعضاء الكونغرس برغم أن القروي قد صدر في شأنه تحجير سفر منذ أول شهر أوت الماضي.

تنتهي بنا هذه النظرة في مضمون العقد الى أن كاتبه كان يدرك مسبقا أنه لا يعدو أن يكون حبرا على ورق و غير قابل للتطبيق ، ذلك أن الوعود التي التزم بها بن ميناشي لعميله القروي تدفع أصلا للشك في جدية العقد.

أما عن دوافع تسجيل العقد فهي الأشد غرابة و طرافة ، ذلك أن مدير الوكالة زعم في تصريحاته بالحوار المسجل على شكل فيديو زعم أن تسجيل العقد لدى السلطات الامريكية و جعله ضمن الوثائق العلنية التي للعموم الاطلاع عليها كان بناء على طلب حملة نبيل القروي نفسه، و لا ندري ان كان القائمون على الحملة بهذه السذاجة حتى يقيموا على أنفسهم الحجة و يتركوا مثل هذه الوثائق في متناول العموم بما يهدد مصالح مرشحهم للرئاسة.

تكتمل أضلع الرواية المزعومة عندما نتثبت بآليات تسجيل العقود بموقع فارا ، فالعملية على عكس ما يعتقد البعض بسيطة و لا تتجاوز تكلفتها بعض مئات من الدولارات و أي صاحب وكالة لوبيينغ على سبيل المثال مسجلة لدى السلطات الامريكية تستطيع تسجيل أي عقد دون الزام باثبات صدقية العقد أو جديته و تستطيع لاحقا أن تبرر تعدم تطبيقه بعديد الحجج كتراجع العميل او عدم الاتفاق على الشروط و يمكن لاي كان التثبت من هذا الامر عبر تصفح العقود العلنية بموقع فارا... تسجيل العقد إذا مع السيد بودربالة الذي أضحى فجأة شبحا مجهول الهوية كان غاية في حد ذاتها لاثبات أثرا قانوني لوجود اتفاق مزعوم تؤكد أركان التهمة المراد تلفيقها، أما بقية التفاصيل فلا تحتاج إلى مزيد من الشرح .

لم يكن السيد ميناشي سوى وسيط في عملية مركبة تفوح تفاصيلها بالتلفيق بهدف تجسيد مؤامرة رخيصة تلصق كذبا تهمة التعامل مع هذا الشخص و وكالته .

سيناريوهات مشابهة

تفاصيل السيناريو برغم صبغته المحبوكة لم يخلو من الثغرات الفاضحة ، لكنه بالأن ذاته يحيل على تفاصيل سيناريو مشابه يتعلق بقضية تلفيق تهم الجوسسة التي ألصقت باطلا بالقياديين الأمنيين صابر العجيلي و عماد عاشور و لعب فيها أحد الوشاة دورا شبيها بدور بن ميناشي ، فضلا عن أساطير الكذب التي روجها نيكولا بو في قضية وزير الداخلية الأسبق لطفي براهم ، و لسائل أن يسأل إزاء تشابه السيناريوات و الأدوار عن الجهة المستفيدة و ذات المصلحة من إسقاط نبيل القروي و من قبله سجن صابر العجيلي و عماد عاشور و عزل لطفي براهم بسيناريوهات مفتعلة ، و حتى لا ننساق وراء الثلب و القذف نعول قطعا على ذكاء القارئ الذي يدرك أن للفشل عنوان واحد يصر عبره الفاشلون على تكرار أخطاءهم نتيجة مؤامراتهم الرخيصة المكررة .

تفكيك مضمون روايات بن ميناشي و بطولاته الكزعومة التي سوقها في الحوار ينتهي حقا الى الاعجاب بقدرته على اختلاق السيناريوهات مهما بلغت من التضارب و التي يستحق بفضلها لقب "سيد الأكاذيب" بلا منازع ، فهو تارة يدعي أن وكالته بالتعاون مع الصهاينة كانت وراء صناعة التحول الديمقراطي الأخير بالسودان ، في حين أن المعلومات التي تتناقلها صفحات الانترنت تؤكد أن دوره في الساحة السودانية لا يقل قذارة عن قضية القروي من خلال التوسط في صفقة سلاح بقيمة 6 ملايين دولار لفائدة القوات الخاصة السودانية برئاسة الفريق محمد حمدان داغالو ، حيث استخدم جزء من هذه الأسلحة في مجزرة الخرطوم و قتل أكثر من متظاهر سوداني، و هو سيناريو يذكرنا من باب الصدفة أيضا في تورط الحكومة التونسية سنة 2018 في التعامل شركة ام سي و ساتشي لتسويق بروباغندا دعائية لصالحها و تشويه الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها البلاد في شهر جانفي من ذات السنة

يبقى السؤال مشرعا عن سر هذا الكرم الذي تميز به السيد بن ميناشي في كشف أسرار عميله و تفاصيل لقاءاته و هو ما يتناقض مع مبدأ حفظ أسرار العملاء و طبيعة نشاط شركات اللوبيينغ بشكل عام التي تميل الى عدم الإعلان عن أدوارها، إلا إذا ما كان ثمة دافع مادي أشد تحفيزا و إقناعا له بالادلاء بكل تلك التصريحات و التي لم تكن بالقطع لوجه الله أو للحقيقة .. فمن إذا المستفيد؟؟

رابط العقد   efile.fara.gov/docs/6200-Exhibit-AB-20190930-12.pdf

 

{if $pageType eq 1}{literal}