Menu

انتفاضة يهود "الفلاشا" الحالية... حريق اجتماعي وسياسي يعري ازمة المنظومة الصهيونية


  

سكوب انفو – شامل نور الدين

الانفجار الذي يعيشه الكيان الصهيوني مجسدا بانتفاضة يهود "الفلاشا" هو تصعيد لعقود من التناقضات الاجتماعية والتمايز الطبقي منذ العام 1948 والتي وقع طمرها تحت وقع طبول الحرب التي كانت تدقها الحكومات المتعاقبة ونغمة الصراع مع العرب والفلسطينيين التي كانت الوسيلة الامثل للجم الصراعات الداخلية عبر التلويح بشعارات الامن والتهديد الوجودي الدائم لايجاد "رابط وطني" موحد لسكان كيان العدو والقفز على سيطرة العنصرية والكراهية المتصاعدة ضد السافرديم (اليهود الشرقيين) فضلا عن اليهود الاثيوبيين الذين يعانون التمييز والاهانة وتصنيفهم كمواطنين من الدرجة الرابعة منذ تسفيرهم الى دولة الاحتلال عام 1993 .

ان النظرة الدقيقة الى مجتمع العدو كفيل بتفكيك الروابط الهشة اجتماعيا وسياسيا لمكوناته والتي تحكمها "نوستالجيا" تفوق الاشكيناز (اليهود الغربيين) والتحالفات البراغماتية والنفعية بين القوى السياسية والتي تحفظ حدا ادنى من فرضيات العيش المشترك بما يمكن من كبح مؤشر اي انتفاضات داخلية وتبقي نوازع الصراعات الطبقية والاثنية كامنة تحت طبقة كثيفة من الرماد في انتظار شرارة تحرك لهيبها.

انتفاضة يهود "الفلاشا" التي تعيش دولة الكيان على وقع تداعياتها الأمنية والسياسية على اثر مقتل يهودي من أصول أثيوبية من طرف عناصر الشرطة تجاوزت حدود الحادث العابر او تحركا غاضبا لأقلية مسحوقة ومهمشة بكيان العدو خاصة بعد ان عجزت المعالجة الأمنية عن احتوائها والسيطرة عليها ما أدى الى اتساع مدى الحريق.

أطلقت ثورة "الفلاشا" مارد الغضب المحبوس من القمقم ضد العنصرية والتهميش والتمييز الاجتماعي والسياسي لتنفجر شظاياها في وجه حكومة ناتنياهو بعد عقود من التغطية والتمويه ومحاولات التعمية على واقع الشرخ الداخلي بالمجتمع الصهيوني ومؤسساته عبر تسويق صورة الكيان "كواحة للديمقراطية" بالشرق الأوسط وترويج مقولات "الوطن القومي" و"ارض الميعاد" التي تجمع شتات كل اليهود المغتربين في العالم لاستقطاب مزيد المهاجرين الى الأرض المحتلة.

ومع اتساع نطاق التحركات والاحتجاجات داخل طبقة اليهود الاثيوبيين الذين يواجهون الازدراء والاحتقار وسوء المعاملة تحول الحريق الى قنبلة سياسية وأزمة حارقة تهدد رئيس حكومة الكيان بنيامين ناتنياهو وتعمق متاعب ائتلافه الهش فضلا عن تداعياتها على مستقبله السياسي في خضم التحقيقات والتتبعات القضائية التي يواجهها بتهم الفساد واستغلال السلطة والنفوذ.

والثابت ان قضية يهود "الفلاشا" لا تختصر عند بعدها الاجتماعي او تداعياتها السياسية والأمنية ذلك انها تستدعي جوانب اشد عمقا في دراسة كيان العدو من الداخل بما يعري الأكاذيب المؤسسة للكيان الإسرائيلي من خلال كشف أزمته القيمية والأخلاقية.

اعادت انتفاضة "الفلاشا" من هذا المنظور تسليط الضوء على هشاشة التركيبة الداخلية لمجتمع العدو المحكومة بجملة من القواعد المحددة للعلاقات الوظيفية بين مكوناته الاثنية والقائمة على تراتبية هرمية اجتماعية يتصدر قمتها "الاشكيناز" ويتذيل قاعدتها السفلى يهود الحبشة واثيوبيا.

ويدرك المتابعون عن قرب لمنظومة المجتمع الصهيوني زيف ادعاءات واكاذيب المقولات الإسرائيلية عن "المجتمع المتجانس" و"المتعدد الأعراق والأصول والثقافات" من خلال ان هذه التراتبية المشابهة للنظام الطبقي بالمجتمع الهندوسي والتي تتسم بتمييز صارخ ما بين طبقة "الاشراف" وطائفة المنبوذين" من ذوي الأصول المختلطة والفقيرة".

لا يختلف واقع يهود الفلاشا وفق هده المقاربة عن معاناة طائفة المنبوذين بالهند والذي يعانون من تمييز صارخ وعنصرية اجتماعية وقوانين طبقية تحرم حتى الزواج على المنحدرين من فئة المنبوذين من طبقات أخرى.

فمنذ انطلاق عمليات توطين "الفلاشا" من اليهود الذين تعود اصولهم الى الحبشة واثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي عبر عمليات تسفير سرية واسعة النطاق امتدت على ثلاث مراحل منذ منتصف الثمانينات واجهت هذه الطائفة رفضا اجتماعيا وتمييزا صارخا من باقية مكونات المجتمع الصهيوني الذي لم يخفي عدائه لهذه الفئة من دوي البشرة السوداء والقادمين من غياهب "الجهل والفقر والتخلف ".

ضاعفت هذه الوضعية من مأساة "الفلاشا" الذين انساقوا وراء دعايات الوكالات اليهودية مصدقين أوهام ارض الميعاد والمستقر في اورشليم لينتهي بهم المطاف على هامش المنظومة الاجتماعية ضمن "غيتوهات" جديدة على أطراف صحراء النقب جنوب الأرض المحتلة او على ضواحي بعض المدن مثل حيفا حيث تم فرزهم ضمن تجمعات سكنية فوضوية تفتقر بعضها حتى الى الخدمات والمرافق الأساسية.

بالمحصلة كانت طائفة يهود أثيوبيا ضحية توجهات صلب الحكومات الصهيونية والقوى السياسية منذ الثمانينات لاستئناف ومضاعفة ادفاق الهجرة اليهودية الى فلسطين المحتلة في ضل الخطر الديمغرافي الذي بدا يتهدد كيان العدو نتيجة ضعف نسب النمو السكاني وبروز ظاهرة الهجرة العكسية الى خارج فلسطين المحتلة وضعف اعداد المستقطبين من يهود الشتات.

 افرزت هذه السياسات ادفاقا جديدة من الهجرة من روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق بعد سقوطه عام 1991 لكن التوافقات والصفقات المعقودة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية وارباب العمل واتحادات المزارعين وكبار الصناعيين والاقتصاديين كانت تقتضي باستجلاب يد عاملة رخيصة وغير مكلفة لسد العجز في عديد المهن والتخصصات التي كان الصهاينة من بقية المستويات الاجتماعية يستنكفون ويرفضون العمل بها فضلا عن حاجة الجيش الصهيوني للاف من المنتسبين الجدد لتوفير جنود ضمن المراكز الدنيا وأسفل المهام والرتب.

مثلت "عملية موسى" وهو الاسم الذي اطلق على تسفير يهود الحببشة واثيوبيا صيدا استراتيجيا ثمينا للحكومة الصهيونية عند تلك المرحلة لكونها تخدم اكثر من هدف فإلى جانب بعدها الدعائي وما تسوقه من صورة بطولية عن الكيان الصهيوني الذي يسعى الى شمل الشتات اليهودي وانقاد يهود افريقيا من الاضطهاد فهو يستجيب لمقتضيات الصفقة وتوفير الوف جديدة من المهاجرين تقل كلفة توطينهم وادماجهم عن غيرهم من القادمين من بقية ارجاء العالم.

 وجد "الفلاشا" القادمون الى فلسطين المحتلة أنفسهم "كالمستجير من الرمضاء بالنار" فهم الذين حلموا طوال عقود بالعودة الى ارض اورشليم فرارا من الاضطهاد المسلط عليهم في اثيوبيا ومخيمات اللجوء بالسودان قوبلوا بعنصرية المجتمع الإسرائيلي التي بلغت حد رفض المستشفيات قبول تبرعهم بالدم فضلا عن معاملتهم كمواطنين من الدرجة الرابعة.

راكم هذا التمييز من وضع "الفلاشا" كعبئ اجتماعي هامشي منسي من جانب المركز لينضاف اليه التشكيك المستمر من جانب المؤسسة الدينية في "يهوديتهم" ما هيئ لتحولهم عبر الوقت الى قنبلة اجتماعية موقوتة في ظل تنامي المعاملة العدائية تجاههم وتضاعف معاناتهم من التناسي والبطالة والفقر وغياب أي حلول فعلية او إرادة سياسية من الحكومات المتعاقبة لمعالجة هذه المعضلة الاجتماعية.

ويتجلى ابلغ مشاهد التمييز التي يواجهها الفلاشا هي غياب أي ممثل لهم ضمن المؤسسة التشريعية الكنيست ما يكشف عمق العقلية العنصرية التي تهمين على الأحزاب السياسية التي ترفض مجرد طرح مرشحين عن هذه الفئة ضمن قائماتها الانتخابية مكتفية باستغلال قضيتهم وتوظيفها سياسيا وانتخابيا دون أي إرادة للإصلاح او نوايا حقيقية لنزع فتيل هذه القنبلة الاثنية والمجتمعية.

{if $pageType eq 1}{literal}