الحارقون..قوارب الموت..اسنان البحر ..والجنة الموعودة


سكوب انفو- عزالدين الزبيدي

 بلغ اليأس بالشباب التونسي الى حد التفكير في الهروب والبحث عن الخبزة وراء البحار ..وبالضبط في ايطاليا حيث يخرج العشرات من ابنائنا يوميا في مراكب الموت والفناء.. يبحثون عن "حرّاق" يؤمن لهم الرحلة حتى وان اقترضوا او باعوا ممتلكاتهم..

بعضهم يجد الدعم من العائلة فتبيع الام مصوغها او يفرط الاب في شياهه قصد تمكين ابنه اليائس من فرصة..يدفعون الملايين ويركبون البحر غير عابئين بالامواج المتلاطمة والمفاجآت غير السارة..زادهم رغيف خبز وبعض السجائر وقوارير ماء.. وحلم قد يتحقق.. يركبون البحر ويخاتلون الحراس..ايديهم على قلوبهم..فالقارب قديم والحمولة اكثر من اللازم..وعيون الحرس تلاحقهم سواء في تونس او في المياه الاقليمية ..

وقد يغرق المركب بمن فيه وتذهب الجثث طعما للحيتان واسنان البحر.. وقد يصلون الى "الجنة الموعودة" وتطأ اقدامهم ارض الرومان..وقتها يستقبلهم الحرس الايطالي وينقلهم الى السجن في انتظار الترحيل ..او ينجون ويدخلون المدن بحثا عن ماوى لدى بعض الاقارب الذين سبقوهم في انتظار ان يتدبروا امورهم بعمل خارج القانون او ينخرطوا في دنيا الممنوعات.. يتخفون عن الاعين في انتظار الحلم الجميل ..يعيشون تارة الاحلام الوردية وطورا الكوابيس.. انهم شباب تونس اليوم..ضائع في زحام الحياة.. لفظته بلاده التي تعيش اوضاعا عسيرة..حلمه كبير لكن الواقع مر ..

وراء كل شاب قصة اليمة تصلح لان تكون شريطا ماساويا ..والمحظوظ فيهم هم من يجد عجوزا ايطالية كستها التجاعيد تقبل ان تمكنه من الاوراق بشرط ان يتزوجها وان تمتص رحيق شبابه لتعوّض الحرمان وبرود ابناء بلدها.. مآس عديدة ..وقصص تدمي اقلوب ..وهروب من البلد نحو فضاء قد يكون ارحب.. تلك هي حياة بعض شبابنا اليوم..الحلم ..الحرقة..امواج المتوسط ..حيتان البحر ودلافين الاعماق تنتظر الوليمة..وام تعيش على وقع خبر سعيد وعلى امل مكالمة تحمل صوت الابن من وراء البحار..

الآلاف من ابنائنا ماتوا وذهبت جثثهم في بطون الاسماك..ولم تنعم امهاتهم حتى بمجرد قبر تبكي على دمنته مثلما يبكى الاحياء امواتهم.. انها الماساة التي يجب ان تتوقف ..وانه رهان الدولة ..فاما ان تكسبه وتنقذ ابناءنا من الكارثة والا فالقادم اسوا وعدد الضحايا سيتضاعف للاسف.