Menu

زيارة الغنوشي لـفرنسا: حسابات التصنيفات ، أم تنازلات الإسلام الديمقراطي


سكوب أنفو-تونس

من الواضح أنّ زيارة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي والوفد المرافق له لباريس لم تكن 'صائبة'، خصوصا وأنّ الزيارة غير رسميّة .

وعلى الرغم من محاولات الحركة للترويج لسياق الزيارة سواء إعلاميا أو حتّى على صفحة راشد الغنوشي الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي 'فايسبوك' و'تويتر' بأنّ الزيارة رسمية وبدعوة من باريس وبتوافق مع السلطات هناك ، إلا أنها كٌشفت بأنها ليست كذلك وأنها كانت مجرد' زوبعة في فنجان' الغنوشي ووفده المرافق في ظلّ تغيرات داخلية وإقليمية سنتطرق لها لاحقا.

إذن وبعد ما ثبت أن ما أدعته الحركة بأنّ زيارة رئيسها لفرنسا رسمية وبدعوة من باريس، فقد ثبت العكس تماما ، وهذا يؤكد ما ذهب  إليه مراقبون بأنّ الزيارة تمت بتنسيق مع مكاتب دراسات متخصصة وهي مكاتب تقوم بدور الوساطة بين السياسيين من مختلف مناطق العالم  و عدد من المسؤولين الفرنسيين ، والذين  عادة ما يكونون من الدرجة الثانية و الثالثة، و ذلك بمقابل مالي ، في المقابل يؤكد أيضا  ان زعيم حركة النهضة هو من عرض خدماته للقاء الفرنسيين في ظل التطورات الإقليمية و الدولية  التي أصبحت تحاصر الإسلام السياسي  في المنطقة ، هذا من ناحية ، وما يفسّره أيضا حوار الغنوشي للقناة الإخبارية 'فرانس 24' أمس الاثنين، حينما أكد بأنّه لم توجّه له دعوة من  الاليزيه وإنما  كانت زيارة بتوافق .

والملمّ  بما تنشره صفحة رئيس الحركة بخصوص الشخصيات الفرنسية الرسمية التّي قابلها الغنوشي خلال زيارته لباريس يرى أنها لم تكن شخصيات رسمية على أعلى مستوى ليضمن بها الغنوشي وصول رسائله لماكرون ، فعدا رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشار و مستشار رئيس الحكومة للعلاقات الخارجية  ايمانويل لينان، فإنّ بقية الشخصيات لم تتعدى رؤساء اللجان في البرلمان الفرنسي .

وبالعودة للمحادثات التّي جرت مع تلك الشخصيات الرسمية الفرنسية العادية (ليست على أعلى مستوى)، يرى ملاحظون أن المواضيع التّي تمّ التطرق إليها كان جلّها يصبٌّ في إطار التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي عن طريق الحوار والتوافق بين مختلف العائلات الفكرية السياسية التونسية والتّي دأبت حركة النهضة على ترويجها للعالم منذ مسكها بزمام الحكم في تونس في 2011 ، والتي تسعى في كلّ فرصة لها، بأن تبرز للعالم أنها الحلّ الوحيد أو الحزب الوحيد المتماسك والقوي في تونس ولا غنى عنها في ظلّ التجاذبات الداخلية التّي تشدّد فيه كل مرّة إلى التوافق والحوار بين الجميع .

إلى جانب سبل تطوير العلاقات التونسية الفرنسية، في جميع المجالات وخصوصا في مجال الاستثمار بما يحقق الاستقرار للبلدين ـإضافة إلى حاجة المنطقة إلى الاستقرار والأمن والتعاون من أجل تحقيق خير الشعوب في التنمية والرفاهية والحرية وخير الدول في مزيد الديمقراطية والاستقرار والسيادة سواء في ليبيا أو الجزائر الجارتين ذات الثقل الكبير بالنسبة لتونس عموما ولحركة النهضة، بشكل خاصّ ، لما فيهما من تطورات للأوضاع ميدانيا ودوليا .

وبالتالي ووفق مراقبون ، فإنّ زعيم حركة النهضة حاول خلال لقاءاته في باريس  أن يوضح الفاصل بينه و بين بقية الحركات الاخوانية  و يصنع لتجربته خصوصية محلّية  و يقلل من حدة عزلته السياسية  في تونس  من خلال التأكيد انه الحزب الأقوى و الحزب الذي يحافظ على الاستقرار الحكومي و السياسي  وان أي معادلة سياسية في البلاد يجب أن تمر عبر حركته.

واللافت للنظر، أيضا وفي ذات سياق زيارة الغنوشي لباريس، ما صرّح به  إعلاميا حول حكومة الشاهد التّي لولا حركة النهضة لأسقطت منذ الوهلة الأولى ، يرى مراقبون أنّ 'الغنوشي  يتعمّد أن يٌذكّر في كلّ مرة رئيس الحكومة يوسف الشاهد أن بقاءه في الحكم هو 'منّة أو صدقة' من النهضة التي دعمته للاستقرار ولمصلحة تونس ، لتنقلب الصورة تماما مع اقتراب موعد الانتخابات وبعد أن أصبح  خصما سياسيا بتأسيس حزب جديد ، بل إنّ النهضة وعلى لسان الغنوشي تبحث الآن على 'عصفور نادر' لترشيحه باسمها للرئاسية المقبلة ، ولابدّ أن يكون هذا العصفور صورة  جميلة قلبا وقالبا وواجهة النهضة للإسلام الديمقراطي التّي تروّج له في صورتها النمطية الجديدة للعالم ولحلفائها .

وقد أعاد راشد الغنوشي  في حديثه  أمس  لقناة 'فرانس 24'  الأفكار ذاتها  التي يعتقد أنها ستجعل من حزبه  ، حزبا مقبولا لدى الغرب  و بعيدا عن " الإخوان المسلمين " .

هذه الصورة الجديدة للإسلام السياسي الديمقراطي كما تسميه النهضة (فرع الإخوان المسلمين بتونس) ، يبدو أنها ووفق مراقبون بدأت تتزعزع داخليا وخارجيا، فداخليا وفي ظلّ العرس الانتخابي الذّي تنتظره تونس في الأشهر القليلة القادمة ، فإنّ جلّ الأحزاب سواء من الائتلاف الحاكم أو المعارضة ترفض كلّيا  التوافق أو التحالف مع النهضة من ناحية ، أمّا خارجيا فإنّ التحركات الإقليمية بتصنيف 'الإخوان المسلمين' كتنظم إرهابي'، أربك الحركة وأزعجها لتخرج قياداتها  للعلن ويعلنوا أنهم غير معنيين بهذا التصنيف لأنهم رفقة حليفهم الأكبر حزب اردوغان التركي ونظيره المغربي 'معتدلون' في إسلامهم.

و سبق لحركة النهضة أن تبرأت منذ مدّة من  " الأخوان  المسلمين"  و من الإسلام السياسي  عموما  وأصبحت تروج لمقولة " الإسلام الديمقراطي " على شاكلة " الحركات المسيحية الديمقراطية" ، لتضمن لنفسها  بذلك مكانا تحت الشمس في ظل محاصرة الإسلام السياسي و تضييق الخناق عليه  ، ولم تقتصر صورة الإسلام السياسي الديمقراطي الجديد التّي تراهن عليه النهضة فقط داخليا مثلما سبق واشرنا ، بل إنّ دعوة ماكرون نفسه وأحزاب المعارضة الفرنسية للتصدّي للإسلام السياسي بصمة 'سوداء' في حسابات النهضة خصوصا وأنّ تصنيف' الإخوان المسلمين'  تنظيما إرهابيا انطلق مع واشنطن ويدرس الآن في فرنسا ، وفق ما يراه المراقبون،  علاوة على أن ما يحدث في ليبيا والمعركة التّي يخوضها المشير خليفة حفتر ضدّ المليشيات والجماعات الإرهابية التي أرسلت لطرابلس ، فإنّ الحليف الأكبر للنهضة والداعم لها وهو تركيا وأردوغان ، شهد نوعا من الزعزعة أو الضعف بعد 'الصفعة 'التي  شهدها حزب العدالة والتنمية ـ في الانتخابات البلدية بإسطنبول والتي كانت ضربة قاسمة لاردوغان أيضا محليا وإقليميا حتّى .

{if $pageType eq 1}{literal}