الايزديون تاريخ ملعون بالإبادة وقصص مغموسة بالألم


سكوب انفو-لامار اركندي

 

"بحثت في كل المدن التي يسيطر عليها تنظيم داعش في سوريا ,عن شقيقتي الأسيرتين لديه لكن دون جدوى " بهذه الكلمات المضرجة بالألم والوجع ,حدثني الناجي من قبضة تنظيم داعش الأيزيدي " عاصي قاسم ابراهيم "  المراهق ذو السبعة عشر ربيعاً, بعد أن تم تحريره مساء السبت على يد قوات سوريا الديمقراطية من الرقة.

بأربع سيارات محملة بالمقاتلين ,دخل تنظيم داعش  في شهر اوت آب /أغسطس/2014 قريته " تل قصب "التابعة لمحافظة نينوى جنوب شرق مدينة سنجار في العراق , مدججين بالسلاح والعتاد, اقتحموا حرم القرية  صباحاً كما يقول عاصي ,ويتابع :" أسروني مع شقيقتي وزوجة أخي ,وأختها ووالدها بحدود الخامسة عصراً  , ولم أبلغ حينها الرابعة عشر من عمري , قتلوا كل رجال القرية والمسنين, والشباب ,واقتادوا النساء والأطفال في سيارات كبيرة , وكنا معصوبي العيون  بالمئات ,والوجهة كانت الرقة ".

"حين وصلنا مركز دولة الخلافة في سوريا أدخلونا الى بيت محافظ الرقة ,وبعدها فرقونا حسب أجناسنا وأعمارنا , كانت آخر لحظات جمعتني حينها بشقيقتي , ولم أعرف بعدها مالذي حل بهما ".

عاصي الطفل الايزدي الذي لم يكن يتقن إلا الكردية لغته الأم, والإنكليزية خضع كأقرانه ممن أسروا بيد التنظيم لما يسميه داعش الدورة الشرعية , تلقى خلالها دروساً لتعلم اللغة العربية ,وحصصاً خصصت لتلقين تعاليم الدين ,وحلقات لحفظ وتلاوة القرآن الكريم مدة ثمانية أشهر, بعد إجبار التنظيم للمختطفين اعتناق الإسلام بقوة الترهيب والقتل .

يقول عاصي أنه خضع بعدها لدورة عسكرية مدة ستة أشهر, في معسكرات تابعة لتنظيم داعش داخل الأراضي التركية ,على طول الشريط الحدودي بين حلب من الجانب السوري , والدولة التركية , أتقن خلالها استعمال مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة إلى المتوسطة والثقيلة كالكلاشينكوف , والبي كيسيه,والدوشكا ,وقاذفات الهاون ,والصواريخ ,ويضيف :" تم فرزي بصفة مرابط ,أي بمعنى حارس للحدود في منطقة حلب, لازمت الحراسة مدة سنة كاملة على الخط الحدودي بين حلب وتركيا ".

" هي بضعة أمتار لا غير كانت تفصلنا عن الجنود الأتراك , فحدود دولة الخلافة وتركيا كانت واحدة ,فمقاتلو داعش كانوا يكنون الحب والولاء للرئيس التركي " رجب طيب أردوغان " الذي يجمعه مع التنظيم علاقة ودية وتعاون  توصف بالرومانسية ".

ونوه :" سهلت أنقرة وصول مسلحي داعش إلى الأراضي السورية , من مختلف دول العالم , وأمدت التنظيم  بمختلف الأسلحة ,ووفرت كل الدعم له بمختلف أشكاله, , لكن ممارسات التنظيم لم ترق للعديد من مسلحيه, من سبي ونهب وقتل وظلم , فكثرت الانشقاقات في جسمه الذي بات على ما يبدو في مرحلة صحوة موت مؤقتة" .

خضع عاصي خلال فترة أسره لتدريبات قاسية ,ومنع من الطعام والشراب فترات طويلة , كما أنه سجن مرة واحدة مدة 45 يوماً في سجن انفرادي بعد محاولته الهرب كما يقول , لكنه واكف الانتظار متأملًا الحصول على فرصة تنجيه من الجحيم الذي فرض عليه , لكنه استطرد فكرة الهرب لفترة بعد أن وعد من قبل التنظيم بمنحه حرية التنقل بين المناطق الواقعة تحت مظلته في سوريا, كأرياف حماة ودير الزور وميادين وحلب والباب , بعد امتلاكه هوية مقاتل مدرب في صفوف التنظيم تؤهله على حرية  التحرك بين شرايين الدولة ,والبحث عن شقيقتيه, وفي حال عثوره عليهما كما أشار حينها لابد من  التمرد على قدر قد يعصى عليه هذه المرة ,بقلب مغامر يركب المستحيل ليخرج شقيقتيه وصديقتي طفولته من أبواب الجحيم التي نالت الأختان ويلات الزقوم فيه .

بعيون تحمل بين طياتها تاريخ ظلم حفر مجراه عميقاً في ذاكرة طفل طغى زمانه على حفنة سنواته القليلة , لكنه أبى أن يخبأ الكثير بين جدران الفؤاد من المشاهد المرعبة المتمترسة في اعماقه , فهو لن ينسى كما يروي لي مشاهد الرؤوس المقطوعة المعلقة في  الرماح, والجثث الملقاة  في ساحة المدن السورية المغتصبة من داعش لكل من يعصي قوانينه الصارمة , يضيف عاصي أن التنظيم هو خلية مؤلفة من كل الأجناس , وبينهم أتراك بالمئات  وكذلك الأوربيون الشرقيون ,والروس والصينيون ومن دول العرب لاسيما التونسيون منهم .

واستذكر لي عن تذمر مسؤولي داعش من فقدانهم لمسلحيه على يد وحدات حماية المرأة الكردية ,لا سيما المقاتلة الكردية التي وقعت اسيرة بيد تنظيم داعش خلال معارك حلب وريفها, قبل عودتها لقطعتها العسكرية خلال عملية تبادل مع أحد أمراء داعش تمت بين الوحدات ,والتنظيم قبل عدة أشهر , وزاد :" بعد عملية التبادل نشبت معارك عديدة بين الوحدات الكردية وداعش , حينها عادت المقاتلة الى صفوف القتال من جديد وعادت هذه المرة منتقمة بعد يومين من تحريرها ,لتحصد أرواح العديد من مسلحيه قبل أن تلقى حتفها بطلقة قناص داعشي أنهت حياتها , عنف المعركة حال دون انتشال جثة المقاتلة من قبل أصدقائها المقاتلين , ووقعت في يد التنظيم الذي عرضها في ساحة سوق الرقة ليتفاخر بمجده الزائف ".

ويتابع الناجي الايزيدي موضحاً أن اختيار الأمراء في الآونة الأخيرة لم يعد حكراً على الذين ينفذون أكبر هجمات إرهابية أو يقتلون أكبر عدد من الأبرياء , بل أشار أن تعيين الأمراء كان يتم بالواسطة ,والدعم من قبل مسؤولي التنظيم , وأكد عاصي أنهم كانوا يتبعون أميراً لم يتجاوز العشر سنوات , ليحكمهم طفل بما تشرع له حماقته  , عاش خلال أيام حكمه لحظات عصية أنهكت قواه وأضعفت إرادته , فحاله لا تقل مرارتها عن حال الناجية الحسناء التي روت لي تفاصيل ثلاثة أعوام لاقت فيها الأمرين, والتي صادف هروبها من الميادين على الحدود العراقية , مع هروب عاصي من الرقة في نفس اليوم .

القدر سخى بكراماته على المراهقين اللذين شاءت المفاجأة أن يكون الفارين من ذات القرية " تل قصب " التي سكب فيها داعش ويلات إرهابه واغتصب طفولتها بعد أن سيقت سبية إلى أسواق الرق في الرقة ,والمنبج ,والباب وديرالزور ,والميادين لتباع خمسة مرات بين ال 10 و15ألف دولار في كل مرة.

تقول عاصمة نحمد التي دخلت الثالثة عشر من عمرها ,أن داعش قتل والدها ,وأسر والدتها وأخوتها الثلاثة , لكن الأم نجت مع ابنتيها بعد عملية هروب كللت بالنجاح , واستقرت داخل مخيم في مدينة دهوك في كردستان العراق لكنها بقيت هي وأخاها أسيرين بيد التنظيم .

انتقلت الطفلة الحسناء إلى الرقة لتباع أول مرة لتونسي , وعراقيين وجزراوي وآخر أردني , لتبدأ معها رحلتها المحفوفة بألوان الظلم, والذل من حبس وجلد ,وحرمان من الطعام والشراب , وسجنها في غرفة انفرادية شهوراً .

بقلب أدمى من ولع الشوق لأيام قبل داعش روت لي عاصمة ذات العينين الساحرتين تفاصيل أول عملية اغتصاب تعرضت  لها وهي في العاشرة من عمرها من قبل مغتصبها التونسي , الذي قيدها بالأغلال الحديدية , وانتهك عذريتها ,ملوثاً طفولة غلفت بالدموع والألم .

استحضرت لي الحسناء الصغيرة روايات انتهاك داعش لآلاف الايزيديات اللواتي اتخذهن داعش سبايا , ووفر من بيعهن مصدراً قوياً لإنعاش شرايين اقتصاده , لكن بعض مسلحيه كما كشفت لي عاصمة ,كانوا يستنكرون بعض ممارسات التنظيم لا سيما سبيه للايزيديات .

 حديثها استوقفني حينما سردت لي أنهم لم يشتروا سبية واحدة ,وكانوا يطالبون بإعادة ما سلبه مقاتليه لأهلهم , فلعل فقاعة الصابون التي داوم داعش على نفخها ,قد انفجرت لتكشف زيفه أمام بعض من أغروا به , أسهبت لي الطفلة الناجية تسريبات ماكانت تسمعه من الفتيات السبيات ممن كن معها ,ومما كن تسمعنه من مسلحي التنظيم عن انشقاق أعداد كبيرة منهم ,وهروبهم إما لخارج أسوار دولة الخلافة, أو الاستسلام لوحدات الحماية الكردية .

لم ألمح ابتسامة تلك الطفلة طوال فترة حديثي معها, والذي تجاوز الساعة والربع إلا حين بشرتها بتحرير قريتها " تل قصب " الشهر الفائت ,كأن الروح تدفقت في جسد توقف عن الحياة طيلة سنوات أسرها , لكنها أثارت استغرابي, وإعجابي في آن واحد حينما سألتها :"مالذي تطمحين لنيله بعد عودتك لأحضان اهلك ؟؟؟

هول المفاجأة كان أكبر حينما رأيت تلك العينين الغارقتين في الدموع تنهضان من سبات الألم ,وتحولتا لعيون لبوة عاهدت نفسها كما حكت لي ,وهي بين أنياب ممن نكلوا بالأرض, والعباد فساداً ,أن تصبح مقاتلة تنتقم ممن زرعوا إرهابهم ,وسكبوه في قلب أرض شهدت 74 مجزرة بحق شعب تشبث بقداسة ترابه من المهد إلى اللحد .